هشام مدخنة*
منذ أن اجتاح «تشات جي بي تي» حياتنا بسرعة قياسية، وجدنا أنفسنا أمام خيارين حاسمين، إما أن نترك هذه التقنية تفكر عنا فننزلق نحو الكسل الذهني، أو نحولها إلى أداة توسّع مداركنا وتطلق العنان لقدراتنا.
بطبيعة الحال، النقاش ليس جديداً. ففي عام 2008، أثار مقال بعنوان مستفز: «هل يجعلنا غوغل أغبياء؟» ضجة كبيرة، حين اعتبر أن الاعتماد على محركات البحث يُضعف قدرة الأمريكيين على التفكير العميق وحفظ المعلومات أو تعلم الحقائق، طالما يمكنهم البحث عنها فوراً عبر الإنترنت. ومع أن في ذلك بعض الصحة، إلا أن محركات البحث كانت لا تزال تتطلب من المستخدمين آنذاك مهارات التفكير النقدي لفهم النتائج ووضعها في سياقها.
اليوم، نشهد تحولاً تقنياً أعمق بكثير. فأدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي لا تكتفي بجلب المعلومات، إنما يمكنها تحليلها وتلخيصها وحتى إنتاج محتوى جديد كلياً. ليرمي المستخدم شيئاً فشيئاً ذاكرته في حضن التكنولوجيا، التي أوكل إليها عملية التفكير نفسها. ولعلها المرة الأولى التي تستطيع فيها هذه التقنيات منافسة التفكير البشري وإبداعه. فهل يستنزف «تشات جي بي تي» ذكاءنا؟ أرى أننا بحاجة لوقفة تأمل. فمع ازدياد إدمان الناس على هذه الأدوات، من المهم أن نعرف ماذا نكسب، وماذا نخسر.
سهولة الوصول إلى الإجابات الجاهزة خلال ثوانٍ لا يمكن إنكارها، لكنها سلاح ذو حدين. فالاعتماد المفرط على هذه الأدوات قد يضعف قدرتنا على طرح الأسئلة وحل المشكلات والتعمق في المعرفة. هناك من يعتمد على الذكاء الاصطناعي بديلاً عن الجهد الذهني، فيظن أنه فهم موضوعاً ما لمجرد قدرته على ترديد ما أنتجه روبوت الدردشة، بينما الحقيقة أن ذلك يرفع ثقته بنفسه بشكل زائف ويقلل من جهده العقلي.
في المقابل، هناك من يستخدم هذه الأدوات بذكاء «بشري»، فيجعلها نقطة انطلاق للتفكير لا نقطة نهاية. يطلب منها المعلومة، ثم يتحقق منها ويضيف عليها ويستكشف ما وراءها. هؤلاء يعززون قدراتهم العقلية بدلاً من أن يضعفوها.
المسألة إذن ليست في استخدام التقنية من عدمها، بل في كيفية الاستخدام. فلو تعاملنا مع الروبوت دون نقد أو تحقق، ربما نقع في فخ الكسل الفكري، فنقبل مخرجاته كما هي دون التساؤل أو البحث عن بدائل أو تحليل أعمق. أما إذا جعلناه شريكاً يدفعنا للبحث والتدقيق والنقاش، فسيفتح أمامنا أبواباً جديدة للإبداع والمعرفة.
يُقال إن الذكاء الاصطناعي لن يأخذ وظيفتك، وأنا أقول، إن شخصاً يعرف كيفية استخدامه قد يفعل، لأنه من الواضح أن من يستبدل تفكيره بالآلة سيظل عالقاً على قمة جبل الغباء، وسيكون أول من يمكن الاستغناء عنه.
الذكاء الاصطناعي ليس عدوّاً للعقل ولا بديلاً عنه، بل مرآة تعكس طريقة تعاملنا معه. نحن من نقرر إن كان سيصبح عكّازاً يضعف خطواتنا الفكرية، أم جناحاً يرفعنا إلى آفاق أوسع من الإبداع والمعرفة. الخيار بأيدينا، والزمن لا ينتظر المترددين.
*صحفي متخصص في الشأن الاقتصادي
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة صحيفة الخليج ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من صحيفة الخليج ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
