اقتصاد / صحيفة الخليج

«الفيدرالي» والسندات.. القصة غير المعلنة

راندال فورسايث *

لم يكن أهم إجراء سياسي اتخذه الاحتياطي الفيدرالي قبل أيام هو خفض سعر الفائدة الرئيسي، بل استئناف شراء سندات الخزانة.
الخطاب الرسمي يقول إن شراء المركزي 20 مليار دولار شهرياً من سندات الخزانة لا يتعدّى كونه إدارة روتينية لظروف سوق المال. غير أن بعض المراقبين المخضرمين لسير الأحداث على قناعة تامة بأن هذه المشتريات تبدو جزءاً من غير معلن مع وزارة الخزانة لتمويل العجز الضخم في الموازنة الأمريكية، وكبح عوائد السندات طويلة الأجل.
وكما كان متوقعاً على نطاق واسع، خفّضت اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة سعر الفائدة المستهدف ربع نقطة مئوية إلى نطاق 3.50% و3.75%. لكنّ المفاجأة جاءت في استئناف شراء الأوراق المالية بعد أسابيع فقط من توقف الفيدرالي عن استرداد بعض حيازاته من سندات الخزانة.
وبرّر رئيس الاحتياطي جيروم باول ما سماه «مشتريات إدارة الاحتياطيات» بالحاجة إلى تجنّب تشديد السيولة قصيرة الأجل قبيل موسم دفع الضرائب في 15 إبريل. فعندما يسدد دافعو الضرائب مستحقاتهم للحكومة، تخرج الأموال من النظام المالي، بينما تضخ مشتريات البنك المركزي للأوراق المالية سيولة إضافية فيه.
غير أن إبريل لا يزال بعيداً. ويتساءل جورج غونكالفيس، رئيس استراتيجية الاقتصاد الكلي الأمريكي في «إم يو إف جي سيكيوريتيز أمريكا»، عن سبب استباق ضغوط موسم الضرائب بهذا القدر. ويذكّر بأن لدى الفيدرالي اليوم أدوات لمعالجة الاضطرابات المؤقتة، مثل اتفاقية إعادة الشراء الدائم، التي لم تكن متاحة عام 2019 حين تعرّض سوق «الريبو» لهزّات سيولة.
ويشير غونكالفيس إلى أن وتيرة الشراء الفعلية قد تبلغ نحو 60 مليار دولار شهرياً من سندات الخزانة، آخذاً في الحسبان إعادة استثمار الاستحقاقات الشهرية من محفظة الفيدرالي البالغة تريليوني دولار من سندات الرهن العقاري، مع إمكانية توسيع المشتريات لتشمل سندات قصيرة الأجل، ما يعني سحب كميات كبيرة من الأوراق المالية من الأسواق. وتفيد تقديرات فريق السياسة النقدية في واشنطن التابع لشركة «ستراتيغاس»، بقيادة دانيال كليفتون، بأن الطلب السنوي للفيدرالي على سندات الخزانة بقيمة تتراوح بين 240 و300 مليار دولار، قد يستوعب ما بين 60% و75% من إصدارات الخزانة من هذه الأدوات قصيرة الأجل.
الفيدرالي يصرّ على أن هذه المشتريات لا ترقى إلى «التيسير الكمّي». لكنها، رغم ذلك، تُحدث أثراً ملموساً، إذ تتيح لمديري الدين في وزارة الخزانة رفع حصة هذه السندات إلى 30% من إجمالي الاقتراض، مقارنة ب22% سابقاً، ما يقلّص أحجام مزادات السندات الأطول أجلاً. كما كثّفت الخزانة إعادة شراء السندات الأقل تداولاً لتحسين السيولة، إلى وتيرة سنوية تبلغ 150 مليار دولار.
المفارقة أن أداة السياسة الرئيسية للفيدرالي، وهي سعر الفائدة، لم تُؤثر في العوائد طويلة الأجل. فالعائد على سندات الخزانة لأجل 10 سنوات ارتفع منذ أن بدأ الفيدرالي خفض الفائدة بمقدار 1.75 نقطة مئوية في سبتمبر 2024. ووصف كبير اقتصاديي «أبولو غلوبال مانجمنت»، تورستن سلوك، ذلك ب«اللغز»، خصوصاً أنه يخالف دورات خفض سابقة (2001 و2007 و2019) ويأتي رغم تراجع أسعار النفط، التي عادة ما تضغط العوائد نزولاً.
تركيز الخزانة على الإصدارات القصيرة وإعادة شراء الأطول أجلاً يبدو محاولة للضغط على السوق، وهو ما يسميه الاقتصاديون «الكبح المالي»، وهو بديل سياسي أكثر قبولاً وأقل كلفة من رفع الضرائب أو خفض الإنفاق. لكن هذا قد يكون مجرد مقاومة لارتفاع عوائد السندات طويلة الأجل، إذ بلغ مؤشر «بلومبيرغ» لعوائد السندات العالمية أعلى مستوى له منذ 2009.
يرى اقتصاديو «دويتشه بنك» صعوداً هيكلياً في علاوة الأجل، مع تراجع العوامل التي أبقت الفوائد عند مستويات تاريخية منخفضة بعد الأزمة المالية، وهي ارتفاع مديونية الأسر، وزيادة اقتراض الشركات للاستثمار، خصوصاً في الذكاء الاصطناعي، وتحوّل السياسة نحو عجز هيكلي (6.5%–7% من الناتج المحلي)، إلى جانب ارتفاع العوائد في الخارج، لا سيما ، ما يقلّل تدفق المدخرات إلى أمريكا.
يمكن وصف استئناف مشتريات سندات الخزانة من قبل الفيدرالي بأنه دمج فعلي بين المركزي ووزارة الخزانة، وخطوة أخرى نحو تقويضٍ إضافي لاتفاق 1951 الذي فصل السياسة النقدية عن إدارة الدين العام. وهناك أيضاً من سمّى العملية بأنها «ضغط مالي»، رغم إصرار الفيدرالي على أنها ليست «تيسيراً كمّياً».
* محرر مشارك في موقع «بارونز»

ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة صحيفة الخليج ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من صحيفة الخليج ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.

قد تقرأ أيضا