اقتصاد / صحيفة الخليج

سلاح الخفي في الحرب التجارية

ميلتون إزراتي*

في المنافسة التجارية الصينية الأمريكية الحالية، يمتلك كل طرف ورقتين رابحتين. تمتلك واشنطن التعريفات الجمركية المرتفعة التي تحد من وصول إلى ما كان يُعدّ أكبر أسواقها التصديرية وأكثرها ربحية. أما ورقتها الرابحة الثانية فهي قدرتها على حرمان الصين من أشباه الموصلات المتقدمة التي تحتاجها لدعم جهودها التكنولوجية، لا سيما في مجال الذكاء الاصطناعي.
وتمسك بكين بورقة العناصر الأرضية النادرة، فهي تسيطر على نحو 60% من مناجم تلك العناصر في العالم، ونحو 90% من طاقتها التكريرية، ما يمنحها احتكاراً شبه كامل لمنتجات بالغة الأهمية للتقنيات الحديثة. والأهم من ذلك، والأخطر، هو سيطرة الصين على جزء كبير من سلسلة توريد الأدوية العالمية.
وتُدرك كلٌّ من بكين وواشنطن أنه كلما زاد نشاط أيٍّ منهما في استخدام أوراقه، زادت احتمالية ردّ الطرف الآخر بأساليب مضادة، وتكثيف جهوده لتحييد تفوّق خصمه. إلا أن هذه الإجراءات المضادة تحتاج إلى وقتٍ لتُؤتي ثمارها، لذا فإن أي حل، باستثناء احتمال تحقيق سلام تجاري، سوف يستغرق وقتاً طويلاً.
حتى الآن، استخدمت واشنطن أوراقها بنشاطٍ أكبر من بكين. فقد بدأ الرئيس دونالد ترامب هذه العملية في أواخر ولايته الأولى، بفرض رسوم جمركية على البضائع الصينية الواردة إلى البلاد. أما الرئيس جو ، ورغم انتقاده لهذه الرسوم خلال حملة انتخابات عام 2020، فقد تبناها بعد توليه منصبه، بل وزادها. كما بذل بايدن الجهود الأولية للحدّ من وصول الصين إلى أشباه الموصلات المتقدمة ومعدات تصنيعها.
عندما عاد ترامب إلى منصبه لولاية ثانية، فرض رسوماً جمركية أعلى على المنتجات الصينية، وفرض رسوماً على موانئ السفن الصينية. كما سعى ترامب إلى تشديد القيود التي فرضها بايدن على مبيعات أشباه الموصلات المتقدمة إلى الصين. عندما دخلت لوائح بايدن حيز التنفيذ، طورت شركة «إنفيديا»، المتخصصة في صناعة الرقائق المتقدمة، حلاً بديلاً باستخدام رقائق H100. كانت هذه الرقائق لا تزال أقوى من أي منتج صيني، لكنها أفلتت من الحظر لأنها كانت أقل قوة بكثير من رقاقة H200 المتطورة من «إنفيديا». عندما أغلقت إدارة بايدن هذه الثغرة، لجأت إنفيديا إلى رقاقة H200 ذات تصميم مشابه. إلا أن ترامب، في ربيع العام الماضي، وسّع نطاق الحظر ليشمل هذه الرقائق المعدلة.
في هذا الوقت تقريباً - وليس من قبيل المصادفة - لجأت بكين إلى ورقة العناصر الأرضية النادرة، مهددةً بقطع الإمدادات العالمية. وكانت قد استعدت لهذا الاحتمال في أواخر عام 2024 وأوائل عام 2025 بفرض قواعد ترخيص صارمة على أي صادرات لهذه العناصر. حتى قبل أن تُفعّل بكين هذه القيود، قامت شركات التعدين والتكرير، تجنباً لمخالفة الحكومة، بتقليص صادراتها، ما لفت انتباه الغرب على الفور، بما في ذلك البيت الأبيض. وبدأت المفاوضات لتأمين الإمدادات سريعاً، وفي أكتوبر/تشرين الأول 2025، على هامش قمة منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ (أبيك) في كوريا الجنوبية، أسفر اجتماع مباشر بين ترامب والرئيس الصيني شي جين بينغ عن اتفاق.
واستجابةً لوعد شي بعدم تقييد صادرات العناصر الأرضية النادرة، خفضت الولايات المتحدة الرسوم الجمركية على المنتجات الصينية المستوردة إليها بنسبة 10%. وعندما عاد ترامب إلى الولايات المتحدة، خفف القيود المفروضة على جميع صادرات أشباه الموصلات إلى الصين. قد يكون هذا التحرك الأخير نتاجاً لضغوط من شركات تصنيع الرقائق، مثل إنفيديا وإيه إم دي، أو كبادرة حسن نية تجاه الصين، أو كليهما، لكن النتيجة كانت واحدة. فقد تفوقت كل ورقة رابحة على الأخرى.
وقد دفعت هذه القوى المتوازنة، والتهديد الضمني باستعادة نفوذها، كل طرف إلى اتخاذ خطوات لتحييد ميزة الطرف الآخر. تسعى الولايات المتحدة والغرب عموماً إلى القضاء على احتكار الصين شبه الكامل للعناصر الأرضية النادرة، بينما اتخذت الصين خطوات لمحو سيطرة الولايات المتحدة على أشباه الموصلات المتقدمة. وكلا المسعيين واعد.
وليست بدائل العناصر الأرضية النادرة بعيدة المنال، كما يوحي اسمها. في الواقع، توجد رواسب العناصر الأرضية النادرة في جميع أنحاء العالم. لقد احتكرت الصين السوق، إن صح التعبير، ليس بفضل مواردها الجيولوجية بقدر ما هو بسبب تسامحها مع التلوث الشديد الناتج عن تعدين وتكرير العناصر الأرضية النادرة. إلا أن تهديدات بكين الأخيرة قد همّشت العديد من المخاوف البيئية في الغرب. وقد بدأت واشنطن البحث عن بدائل محلية. قد تموّل الحكومة تحالفاً مع جهات خاصة لاستثمار ما يقارب ملياري دولار في قطاعي التعدين والتكرير المحليين في الولايات المتحدة. وقد وقّع البنتاغون عقداً مع شركة «يوكور رير ميتالز» الكندية المتخصصة في معالجة المعادن الأرضية النادرة، لبناء مصنع في لويزيانا.
وقد حفّزت هذه التدفقات النقدية ارتفاع أسعار أسهم شركات المعادن الأرضية النادرة، ما وفّر تمويلاً إضافياً للجهود المبذولة وجذب المزيد من الاستثمارات الخاصة. فعلى سبيل المثال، استثمر بنك «جيه بي مورغان» نحو 75 مليون دولار في شركة «بيربيتوا ريسورسز» للتعدين في ولاية أيداهو. كما وقّع الرئيس ترامب مذكرات تفاهم مع ماليزيا وتايلاند لتطوير عمليات التعدين والتكرير، ووقّع اتفاقية مع رئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيز لتشجيع مشاريع المعادن الأرضية النادرة في أستراليا. وقبل شهرين فقط، اتفق وزراء في دول مجموعة السبع - كندا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا واليابان والمملكة المتحدة والولايات المتحدة - على التعاون لإيجاد بدائل غير صينية.
* كاتب عمود وباحث في مركز دراسات رأس المال البشري في جامعة بافالو «ذي ناشونال إنتريست»

ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة صحيفة الخليج ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من صحيفة الخليج ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.

قد تقرأ أيضا