"إذا أرادوا الاتفاق على مكافحة تهريب المخدرات، فنحن جاهزون" كانت هذه كلمات رئيس فنزويلا "نيكولاس مادورو" مع بداية العام الجديد، في محاولة لتهدئة التوتر المتصاعد بين بلاده والولايات المتحدة.
لم يكن "مادورو" يدري أن هذه الكلمات، التي نطق بها قبل ساعات قليلة، ستصبح آخر تصريح رسمي له قبل أن تتغير حياته السياسية بشكل جذري.

ففي قاعدة عسكرية معزولة، حيث يتردد صدى خطوات الحراس في الممرات الفارغة، كان "مادورو" وزوجته يختبئان مؤقتًا، قبل أن تخترق أضواء بيضاء قوية الظلال تلك الممرات بشكل مفاجئ، وتدخل فرقة من القوات الخاصة الأمريكية غرفة نومه بتلك القاعدة.
لم تمض سوى دقائق معدودة ليواجه هذا الرئيس مصيرًا مختلفًا، وينتقل بسرعة تحت حراسة مشددة إلى طائرة مهيأة مسبقًا، حيث ظهر على شاشات الإعلام وهو معتقل في طائرة كانت متجهة إلى واشنطن ليواجه اتهامات وقضايا عديدة في ساحات المحاكم الأمريكية.
وأعد هذا المشهد للأذهان ما فعلته واشنطن قبل عدة سنوات مع رئيس بنما "مانوييل نورييجا"، عندما اقتحمت قوات أمريكية قاعدته العسكرية في عام 1989 خلال عملية سريعة ومفاجئة.
كما يمثل أيضًا نقطة تحول كبيرة في مستقبل صناعة النفط العالمية، إذ يفتح الباب أمام سيناريوهات متعددة تتعلق بإمدادات الخام الفنزويلي وأسعار الطاقة في الأسواق الدولية.
ورغم أن فنزويلا تمتلك أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم، فإن إنتاجها النفطي يعاني منذ سنوات طويلة من تراجع حاد نتيجة سوء الإدارة، والانهيار الاقتصادي، والعقوبات الدولية المستمرة.
وبحسب صحيفة الجارديان فإن الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب"، خلال مؤتمر صحفي عقد السبت الماضي، ركز بشكل ملحوظ على نفط فنزويلا وأولى له أهمية أكبر بكثير من "الحرب على المخدرات"، التي كانت سبب واشنطن المعلن للتحرك العسكري ضد فنزويلا مؤخرًا.
ومع التحولات الجيوسياسية العميقة في كراكاس، واحتمالات إعادة هيكلة قطاع النفط الفنزويلي تحت تأثيرات خارجية، بات سوق النفط العالمي أمام عدة مسارات محتملة تتعلق بالإمدادات، والأسعار، والاستثمارات طويلة الأجل.
وفي إطار هذا الوضع قد يكون هناك ثلاثة سيناريوهات محتملة لسوق النفط، يمثل الأول سيناريو الاضطراب قصير الأجل، أما الثاني فسيناريو الاستقرار والتعافي التدريجي، بينما يعتمد السيناريو الأخير على تحقيق إصلاح طويل الأمد بقطاع النفط الفنزويلي.
سيناريو متشائم.. الاضطراب وتقلبات السوق
عادةً ما تشهد أسواق النفط، عقب الأزمات الجيوسياسية الكبرى، ارتفاعًا في علاوة المخاطر وتقلبات الأسعار، وهو ما ينطبق على المرحلة الأولى بعد الأزمة الفنزويلية.

وتؤكد بيانات رويترز أن إنتاج فنزويلا انخفض إلى نحو 1.1 مليون برميل يوميًا في أواخر 2025، على الرغم من أن البلد يمتلك أكبر احتياطي نفطي في العالم بحوالي 303 مليار برميل.
كما تُظهر تقارير متعددة أن الصادرات انخفضت أيضًا بنحو 500 ألف برميل يوميًا في ديسمبر 2025 بسبب العقوبات الأمريكية والحصار البحري.
ورغم أن إنتاج فنزويلا الحالي يمثل أقل من 1% من الإنتاج العالمي للنفط، فإن طبيعة خامها -الذي يصنف في معظمه كخام ثقيل عالي الكبريت- تمنحه أهمية استراتيجية.
هذه الأهمية تتركز في بعض المصافي، لا سيما مصافي الساحل الأمريكي على خليج المكسيك، المصممة خصيصًا لمعالجة هذا النوع من الخام.
سيناريوهات متوقعة لأسواق النفط بعد أزمة فنزويلا
| السيناريوهات | الوصف | التأثير على الأسعار | التأثير على الإنتاج |
| الأول | اضطراب قصير الأجل وتقلبات السوق | ارتفاع محدود إلى متوسط للنفط | انخفاض مؤقت للإمدادات |
| الثاني | استقرار تدريجي وتعافي محدود | استقرار نسبي للأسعار | زيادة جزئية في الإنتاج الفنزويلي |
| الثالث | إعادة بناء هيكلية واستثمارات ضخمة | ضغط هبوطي على الأسعار عالميًا | إعادة إنتاج الفنزويلي إلى مستويات تاريخية |
ويشير محللون في قطاع الطاقة إلى أن أي توقف كامل لصادرات فنزويلا قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار الخامات الثقيلة مقارنة بخام برنت، مع سعي المشترين إلى بدائل من كندا والمكسيك، وهو ما قد يخلق ضغوطًا سعرية داخل سوق الخامات الثقيلة تحديدًا.
ويشير هذا النمط إلى أن العوامل النفسية وتوقعات التصعيد قد تلعب دورًا أكبر في تحركات الأسعار قصيرة الأجل مقارنة بالتغيرات الفعلية في العرض.
وبالتالي قد يؤدي أي نقص في الإمدادات الفنزويلية من الخام الثقيل إلى ضغوط إضافية على أسواق الديزل ووقود الطائرات، حيث يحقق هذا النوع من الخام معدلات استخلاص مرتفعة من هذه المنتجات.

ومع تراجع الصادرات الروسية بالفعل، فإن استمرار الاضطراب قد يرفع هوامش التكرير وأسعار المنتجات النهائية.
وكمثال واقعي، أدت العقوبات الأمريكية والتشديد البحري على ناقلات النفط الفنزويلية خلال أواخر عام 2025 إلى ارتفاع محدود في أسعار النفط، ما يؤكد حساسية السوق حتى تجاه الاضطرابات الجزئية.
سيناريو معتدل.. الاستقرار والتعافي التدريجي
بعد انقضاء مرحلة الصدمة الأولى، قد تتجه الأسواق نحو سيناريو أكثر توازنًا، يعتمد على احتواء الاضطرابات عبر السياسات الدولية وتكيف السوق.
وأشارت تأكيدات سياسية في واشنطن إلى نية محتملة لإعادة توجيه صادرات النفط الفنزويلي نحو السوق الأمريكية، خصوصًا مصافي خليج المكسيك التي اعتادت تاريخيًا على استيراد الخام الفنزويلي الثقيل.
وتقدّر هذه الإضافة المحتملة بنحو 200 ألف برميل يوميًا، في حال تهيئة الظروف السياسية والقانونية.
ويعكس هذا التوجه رغبة في تحقيق استقرار نسبي للإمدادات، وتقليل الاعتماد على مصادر أبعد جغرافيًا.
وقد يساعد قرار تحالف أوبك+ الإبقاء على مستويات الإنتاج دون تغيير في بداية عام 2026، في إشارة واضحة إلى تفضيل التحالف للحفاظ على الإمدادات في السوق، في دعم هذا السيناريو.
وتلعب هذه السياسة دورًا محوريًا في كبح الارتفاعات الحادة للأسعار، حتى في أوقات التوتر الجيوسياسي.
كما أن أحد عناصر الاستقرار المحتملة يتمثل في تخفيف جزئي للعقوبات الأمريكية، ما قد يسمح بتدفق استثمارات محدودة إلى قطاع النفط الفنزويلي.
بحسب تقارير من شركات تحليل الطاقة، فإن مستوى الاستثمار المطلوب على مدى عقد كامل لإعادة تشغيل جزء كبير من إنتاج النفط الفنزويلي (بنحو 2.5 مليون برميل يوميًا) يتراوح بين 15 و20 مليار دولار أمريكي تقريبًا.

وخلال فترات التخفيف الجزئي للعقوبات بين عامي 2022 و2024، ارتفعت صادرات فنزويلا لتقترب من 900 ألف برميل يوميًا قبل أن تعاود التراجع مع تشديد القيود.
وسيؤدي زيادة إنتاج فنزويلا من النفط إلى زيادة الإمدادات بالسوق وبالتالي خفض ضغوط الأسعار العالمية، خصوصًا إذا ترافق مع استقرار الإنتاج في الدول الكبرى الأعضاء في أوبك+، مما يعزز قدرة السوق على تلبية الطلب المتنامي ويحد من تقلبات أسعار الخام.
إعادة بناء قطاع النفط في فنزويلا
يُعد هذا السيناريو الأكثر عمقًا وتأثيرًا، لكنه أيضًا الأكثر تعقيدًا وصعوبة في التنفيذ.
وخلال هذا السيناريو تشير تقديرات خبراء الطاقة إلى أن إعادة إنتاج فنزويلا إلى مستوياتها التاريخية – التي بلغت نحو 3.5 ملايين برميل يوميًا في سبعينيات القرن الماضي – تتطلب استثمارات قد تصل إلى 58 مليار دولار أمريكي على مدى عقد كامل.
في حين تشير تقديرات نشرتها صحيفة الجارديان أن هذا الرقم قد يصل إلى 100 مليار دولار أو أكثر، ويعكس هذا الرقم حجم التدهور الكبير في البنية التحتية النفطية نتيجة سنوات طويلة من الإهمال ونقص التمويل.
وفي حال نجاح عملية إعادة البناء، قد تسهم فنزويلا في تنويع مصادر النفط الثقيل عالميًا، ما يخفف الضغط على منتجين تقليديين مثل كندا والمكسيك، ويعيد رسم خريطة تدفقات الخام.
ويشير بلومبيرج إلى أن ضخ هذه الكميات من خام فنزويلا الثقيل للأسواق سيؤدي إلى زيادة العرض في مصافي خليج المكسيك الأميركية والمستهلكين الأوروبيين والآسيويين، ما قد يخفف من ارتفاع أسعار الديزل ووقود الطائرات، ويقلل من توترات الأسعار.
لكن هذا السيناريو يظل مشروطًا باستعادة ثقة المستثمرين، وضمان الاستقرار السياسي، وإصلاح الأطر القانونية التي تحكم عقود الاستثمار.
وعلى المدى الطويل، يمكن أن يؤدي تدفق كميات إضافية من النفط الفنزويلي إلى ضغط هبوطي على الأسعار العالمية.
وكمثال واقعي كان إنتاج العراق قبل الغزو الأمريكي لها نحو 2.1 مليون برميل يوميًا لكنه انخفض بشكل حاد خلال السنوات الأولى من الغزو بسبب الاضطرابات السياسية والأمنية، لكنه بدأ بعدها في التعافي تدريجيًا عبر عقود تطوير حقلية واتفاقيات مع شركات نفط دولية.
ووفق بيانات منظَّمة إحصاء النفط العالمي، ارتفع إنتاج العراق من النفط في الفترة من 2022 إلى 2025 ليبلغ متوسطات تتجاوز 4 ملايين برميل يوميًا خلال تلك السنوات.
في النهاية، تظل أزمة فنزويلا تذكيرًا صارخًا بأن أسواق النفط ليست مجرد أرقام وإنتاج، بل هي انعكاس مباشر للتوازنات السياسية والجيوستراتيجية.
كما يذكر بأن أي تحرك في قلب إحدى الدول المنتجة الكبرى يمكن أن يعيد رسم خارطة الطاقة العالمية، ويؤثر على مسار الأسعار والاستثمارات والتدفقات العالمية لعقود قادمة.
المصادر: أرقام- سي إن إن- وكالة رويترز- بلومبرج- منصة إنفستينج- وكالة أسوشيتدس برس- صحيفة الجارديان- منصة أي إنفست
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة ارقام ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من ارقام ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
