على مدى العقود الماضية، شهد عالم الموضة تحولًا عميقًا في مفاهيم الجمال والهوية والابتكار، لم يعد مركز الإبداع محصورًا في عواصم أوروبية بعينها، بل باتت الخرائط الجمالية أكثر اتساعًا وانفتاحًا، لتفسح المجال أمام ثقافات جديدة تُعبّر عن ذاتها بصوت واضح وحضور واثق. وفي قلب هذا التحوّل برز المصممون العرب بوصفهم قوة إبداعية متفردة، استطاعوا أن يمزجوا بين الهوية الشرقية والرؤية العصرية العالمية، ليعيدوا صياغة مفهوم الأناقة من منظور جديد يجمع بين التاريخ والحداثة، وبين الروح والابتكار، وبين الحرفية والفخامة المعاصرة.
فالهوية الشرقية لم تعد مجرّد مرجع بصري أو مصدر إلهام عابر، بل تحوّلت إلى لغة تصميمية أصيلة تحمل ذاكرة المكان وعمق الثقافة، وتعيد تقديمها بأسلوب عالمي متجدّد يليق بالمرأة المعاصرة، وهكذا أصبح الحضور العربي في الموضة ليس مجرد مشاركة في المشهد العالمي، بل مساهمة حقيقية في إعادة تعريفه.
الهوية الشرقية جذور تتجدّد ولا تُستنسخ
عند الحديث عن الهوية الشرقية في التصميم، لا نتحدث عن صورة تقليدية جامدة أو أنماط زخرفية ثابتة، بل عن منظومة ثقافية تتمتّع بثراء بصري وروحي وتاريخي.
تشمل هذه الهوية:
- العمارة الإسلامية وعلوم التكوين الهندسي.
- الخطوط العربية وتوازنها الجمالي.
- الأقمشة الفاخرة التقليدية مثل الحرير والداماسك والبروكار.
- الزخارف المستوحاة من الطبيعة، الأقواس، الأقواس المزدوجة، والأشكال المتناغمة.
- التصوّف الشرقي الذي يدمج الروح بالحركة والبساطة بالعمق.
غير أن المصممين العرب لا يقومون بنقل هذه العناصر حرفيًا، بل يعيدون قراءتها بتفكير معاصر، فيتحوّل التراث إلى مصدر للفكرة وليس مجرد زخرفة تُضاف إلى السطح.
فالهوية هنا ليست "نوستالجيا للماضي"، بل حوار مستمر بين الأزمنة، حيث يصبح الماضي مادة خام تُعاد صياغتها بحسب حساسية العصر ورؤية المصمم.
من الشرق إلى العالم كيف تتجسّد الهوية الشرقية في التصميم العصري؟
نجح المصممون العرب في تقديم قراءة جديدة للهوية الثقافية من خلال مجموعة من الأساليب الجمالية والتقنيات الإبداعية التي توازن بين الأصالة والحداثة، أبرزها:
البساطة المعمارية بدل الزخرفة الثقيلة
لم يعد الاعتماد على الزخارف المكثفة هو الطريقة الوحيدة للتعبير عن الشرق، بل جاءت المقاربات الحديثة لتحتفي بـ:
- الخطوط الهندسية الواضحة.
- الإيقاع المتوازن في القصّات.
- النسب المدروسة المستوحاة من العمارة الإسلامية.
فتبدو التصاميم منحوتة لا مزخرفة فقط، وكأنها امتداد بصري لروح المكان.
الفخامة الهادئة بدلاً من الاستعراض
تتميّز الهوية الشرقية الحديثة بطابع الفخامة الصامتة، فخامة لا تُعلن عن نفسها بصخب، بل عبر:
- جودة الأقمشة.
- دقة التنفيذ.
- نعومة التفاصيل.
- حضور الأنوثة بكرامة وجاذبية.
وهو اتجاه ينسجم مع الفلسفة الجمالية العربية التي تربط الأناقة بالوقار والرقي.
الحوار بين الحرف اليدوية والتكنولوجيا
تراث التطريز، الخياطة الدقيقة، والقصّ اليدوي، لم يعد مقيدًا بالأساليب التقليدية فقط، بل أصبح جزءًا من تجربة تصميم هجينة تجمع بين:
- الحرفيين المحليين.
- وتقنيات النمذجة الرقمية.
- والطباعة الحديثة على الأقمشة.
وهكذا تُحافظ الهوية على جذورها دون أن تنغلق على ذاتها.
المرأة الشرقية في صورة عصرية، أنوثة وخصوصية وهوية
تعكس تصاميم المصممين العرب صورة المرأة الشرقية من منظور متوازن:
امرأة قوية الحضور، واعية بذاتها، تحافظ على أنوثتها دون مبالغة، وتحتفي بهويتها دون انغلاق أو تقليد.
فالأزياء لا تقدّم المرأة في إطار استعراضي أو زخرفي، بل تمنحها:
- حرية الحركة.
- أناقة راقية.
- حضورًا بصريًا ناعمًا ومؤثرًا.
وبذلك تُقدّم رؤية جديدة للأنوثة العربية، أنوثة تستند إلى الجوهر قبل المظهر، وإلى الذوق قبل البهرجة.
المصممون العرب إلى العالمية
لم يكن الوصول إلى العالمية مجرّد انتقال جغرافي من الشرق إلى العواصم الأوروبية، بل كان انتقالًا فكريًا وثقافيًا يقوم على إعادة تقديم الهوية في سياق عالمي متوازن.
وقد ساهمت عدة عوامل في تعزيز هذا الحضور:
- المشاركة في أسابيع الموضة الدولية.
- التعاون مع نجوم الفن والسجادة الحمراء.
- تزايد الاهتمام بمنصات الشرق الأوسط بوصفها مراكز إبداعية ناشئة.
- الحوار الثقافي بين المدارس التصميمية المختلفة.
وبفضل هذه الرؤية، لم تعد التصاميم العربية تُقرأ بوصفها موضة محلية، بل كجزء من الحوار العالمي حول الجمال.
كيف يعيد المصممون العرب تشكيل مفهوم الأناقة العالمية؟
اليوم، تساهم الهوية الشرقية في صياغة منظومة جمالية جديدة داخل عالم الموضة العالمية، من خلال ثلاث تغييرات أساسية:
نقل الأناقة من الاستهلاك إلى المعنى
الأناقة العربية ليست مجرّد استعراض مظهري، بل ترتبط بمفاهيم:
- القيم الجمالية.
- احترام الجسد.
- الاتزان والبساطة الراقية.
- الحضور الهادئ بدل الصخب.
وهذا الاتجاه ينسجم مع تيار عالمي متنامٍ يعيد النظر في معنى الفخامة والذوق.
توسيع مفهوم الجمال خارج النماذج الغربية
أسهم المصممون العرب في:
- كسر احتكار التصور الغربي للجمال.
- إدخال حساسية ثقافية جديدة.
- الاحتفاء بالتنوّع الجمالي.
- ربط الموضة بالهوية والذاكرة.
وبذلك أصبح الجمال متعدد الأصوات لا أحادي المرجع.
تحويل التراث إلى مستقبل لا إلى ذكرى
بدل تحويل التراث إلى مادة متحفية، قدّم المصممون العرب قراءة مستقبلية له، ما جعل الهوية الشرقية:
- حيّة.
- متجددة.
- قابلة للتطور عبر الأجيال.
وهذا ما جعلها جزءًا أصيلًا من التطور العالمي للموضة المعاصرة.
شاهدي أيضاً: تألق المصممون العرب في أسبوع باريس كوتور
الهوية كمسؤولية ما بين الاستدامة والوعي الثقافي
لم تعد الهوية الشرقية عنصرًا جماليًا فقط، بل أصبحت موقفًا أخلاقيًا وثقافيًا يرتبط بموضوعات مثل:
- دعم الحرفيين المحليين.
- الحفاظ على التراث المهدد بالاندثار.
- تعزيز الصناعة الإبداعية في المنطقة.
- نقل المعرفة عبر الأجيال.
وبذلك تتحوّل الموضة إلى جسر ثقافي لا إلى مجرّد صناعة استهلاكية.
هوية تنتمي للعالم دون أن تفقد جذورها
لقد نجح المصممون العرب في إعادة صياغة مفهوم الأناقة العالمية من خلال منح الهوية الشرقية دورًا حيويًا داخل المشهد المعاصر.
فهم لم يقدموا تجربة بصرية فحسب، بل طرحوا سؤالًا أعمق حول معنى الانتماء، قيمة الجمال، ودور الثقافة في بناء مستقبل الموضة.
إنها أناقة:
- تحمل جذورًا لكنها تنظر إلى الأمام.
- تحترم الماضي دون أن تستنسخه.
- وتخاطب العالم بلغة عالمية، لكنها تُقال بلكنة شرقية أصيلة.
وهكذا، لم تعد الهوية الشرقية مجرد مصدر إلهام، بل أصبحت أحد أعمدة الأناقة العالمية الجديدة أناقة تنبض بالروح، وتتجدد بالابتكار، وتستمد جمالها من أصالة المكان وصدق التعبير.
شاهدي أيضاً: المصممون العرب في مهرجان فينيسيا: إطلالات لا تُنسى
شاهدي أيضاً: مصممون عرب يسيطرون على عروض أسبوع الموضة في باريس
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة ليالينا ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من ليالينا ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
