مسقط - راشد النعيميشهدت العاصمة العمانية مسقط ندوة علمية ومعرضاً يحتفي بإنجازات صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى، حاكم الشارقة، نظمها بيت الزبير الذي يعد من المؤسسات الثقافية الرائدة في السلطنة حيث ألقت الضوء على تجربة سموه الثقافية الفريدة ومشروعه الفكري والتحول النوعي الذي أحدثه وإسهاماته الحضارية في مختلف جوانب الثقافة والتاريخ.رعى الندوة الشيخ سالم بن مستهيل المعشني المستشار بديوان البلاط السلطاني بحضور الدكتور علي إبراهيم المرّي، رئيس دارة الدكتور سلطان القاسمي، والشيخ محمد بن مكتوم بن راشد آل مكتوم سفير الدولة المعتمد لدى السلطنة ومحمد بن الزبير مؤسس بيت الزبير وعدد من الدبلوماسيين والمثقفين والأكاديميين.في كلمة الافتتاح، أكدت الدكتورة منى حبراس مدير عام مؤسسة بيت الزبير، أن مسيرة صاحب السمو حاكم الشارقة تمثل تجربة ثقافية عربية فريدة، لا تقاس بكم الإنجازات وحدها، بل بعمق الرؤية التي وقفت خلفها وبالأثر الذي تجاوز حدود المكان والزمان ليكون نموذجاً نادراً لحاكم جعل من الثقافة جوهراً للحكم ومن المعرفة أساساً للتنمية ومن الإنسان غاية لكل مشروع.وأضافت أن الحديث عن صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، ليس حديثاً عن راعٍ للثقافة فحسب، بل عن مثقف حمل مشروعه الفكري إلى قلب الدولة، وقالت إنه على المستوى الفكري والمعرفي، قدم سموه مشروعاً تاريخياً استثنائياً، أعاد فيه كتابة سرديات مهملة من تاريخ الخليج والجزيرة العربية، مستنداً إلى أن الثقافة قادرة على أن تكون فعل سلام ومساحة تفاهم ورافعة أخلاقية في عالم مضطرب، مؤكدة أن بيت الزبير لا يحتفي بشخصية استثنائية فحسب، بل بفكرة جوهرها أن الثقافة ليست ترفاً وأن المعرفة ليست فائضاً بل أساس بناء الدول وصناعة الإنسان. تحول نوعي في بداية الحوار افتتح أحمد المخيني الندوة مؤكداً إننا حين نتأمل مشروع صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، العلمي، لا نكون بإزاء مجرّد جهد تأريخي يُضاف إلى مكتبة الدراسات الخليجية أو العُمانية، بل أمام تحوّلٍ نوعي في طريقة مساءلة التاريخ ذاته التحول ليس مبنياً على ماذا كتب الشيخ سلطان عن عُمان؟ بل على سؤال أعمق، ألا وهو كيف تحوّلت عُمان، في هذا المشروع، من موضوع تاريخي فحسب إلى حقل وثائقي كامل، يُعاد بناؤه عبر الأرشيف، والترجمة، والتحقيق، والرواية، وإعادة ترتيب الوقائع؟وقال إن أهمية هذا السؤال تنبع من أن مشروع صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي لا يكتفي بسرد تاريخ عُمان أو الدفاع عنه بخطاب إنشائي أو وطني مباشر، بل يشتغل على مستوى أدقّ وأكثر صرامة: مستوى تصحيح الرواية من داخل مادتها الخام فالوثيقة، في هذا السياق ليست شاهداً محايداً، بل ساحة اشتباك معرفي، تُستدعى لا لتأكيد سردية جاهزة، بل لتفكيك سرديات الهيمنة الاستعمارية - البرتغالية والأوروبية - باستخدام أدواتها نفسها، ومن داخل أرشيفها، وباللغات التي كُتبت بها.وقال إنه لا يمكن فهم الحضور العُماني في أعمال سموه بوصفه حضوراً تزيينياً أو عاطفياً، ولا بوصفه استدعاء رمزياً للذات الوطنية في مواجهة الآخر، بل بوصفه حضوراً بنيوياً يتجلى على ثلاثة مستويات متداخلة أولها، في موضوعات التأليف، حيث تتخذ عُمان موقع المركز لا الهامش، والنقطة التي يُعاد من خلالها ترتيب الجغرافيا التاريخية وثانيها، في طبيعة المصادر، حيث يُعاد امتلاك الأرشيف الأجنبي، لا بالاستهلاك أو النقل، بل بالتحقيق والترجمة والنقد وثالثها، في شبكات التلقي والتداول.في بداية الندوة تحدث الدكتور ناصر السعدي الباحث في التاريخ الثقافي والاجتماعي محللاً مؤلفات صاحب السمو حاكم الشارقة زمانياً من عام 1980 إلى عام 2025، مؤكداً أن هذا الإنتاج العلمي الذي امتد لخمسة عقود أسفر عن 60 مؤلفاً.كما تناول النطاق الجغرافي للمؤلفات الذي شمل الإمارات وعمان والخليج وشبه الجزيرة العربية وبلاد فارس، إضافة إلى شرق إفريقيا والعالم الإسلامي والشرق الأدنى القديم وأوربا والغرب إلى جانب أعمال عابرة للمكان كما تناول السعدي بالتحليل خريطة اللغات غير العربية التي ترجمت إليها المؤلفات أو صدرت بها.فيما تناولت الدكتورة أحلام الجهوري الباحثة والكاتبة في التاريخ، الإسهام الحضاري والثقافي للحركة الإبداعية التي يرعاها صاحب السمو حاكم الشارقة من حيث التكوين والشخصية والإسهام الحضاري وأبعاد التجربة الإبداعية ودوره في نشر الوعي والمعرفة التاريخية وتعزيز القيم الإنسانية وعالمية التأثير والأثر.تحدث عمر المعمري عن تجربة صاحب السمو حاكم الشارقة في دعم التراث الثقافي، بوصفها مشروعاً حضارياً متكاملاً تجاوز مفهوم الحفظ التقليدي، ليؤسس منظومة ثقافية مستدامة تربط بين المتاحف، والمواقع الأثرية، والتراث غير المادي، وبناء القدرات البشرية.وسلط الضوء على منظومة المتاحف في الشارقة كنموذج معاصر للمتحف المجتمعي، الذي يخدم التعليم والمعرفة، ويصل إلى مختلف فئات المجتمع عبر مبادرات نوعية مثل المتحف المتنقل. كما تتناول الدور المحوري لمعهد الشارقة للتراث في صون التراث غير المادي، من خلال التوثيق والبحث ونقل المعارف بين الأجيال.كما تحدث عن إدراج موقع الفاية الأثري في قائمة التراث العالمي لليونسكو باعتباره محطة مفصلية في الاعتراف العالمي بتاريخ الاستيطان البشري في المنطقة.كما تم افتتاح المعرض المصاحب للندوة والذي ضم مؤلفات صاحب السمو حاكم الشارقة وإصداراته المختلفة إلى جانب لوحات استعرضت تفاصيل حياته وأدواره وإنتاجه العلمي ودراساته والجوائز التي نالها ومنجزاته في مجال الثقافة في إمارة الشارقة.