بينما كانت خيوط الفجر الأولى تداعب شواطئ كراكاس في الثالث من يناير، لم يكن "نيكولاس مادورو" يعلم أن روتينه اليومي كان تحت مجهر "الدرونز" الأمريكية لأسابيع. في لحظات خاطفة، تحولت العاصمة إلى ساحة لعملية كوماندوز انتهت بتصفيد يدي الرئيس ونقله في طائرة عسكرية صوب نيويورك، في رهان قد يجعل من فنزويلا "بنما" القرن الحادي والعشرين، أو يحولها إلى "ثقب أسود" يبتلع أمن القارة.

تشابه الأقدار
- يرى المحللون أن ما جرى ليس مجرد تقاطع مصالح، بل هو "ديجا فو" جيوسياسي كُتب ببراعة؛ ففي مفارقة تاريخية مذهلة، اختير الثالث من يناير ليكون موعداً لسقوط "مادورو" عام 2026، تماماً كما كان يوم استسلام "مانويل نورييجا" في بنما عام 1990، وكأن ستة وثلاثين عاماً من الزمان قد طُويت في ليلة واحدة، لتعيد واشنطن إحياء "سيناريو نورييجا".
ديجا فو
- استُخدمت تهم "الاتجار بالمخدرات" غطاءً قانونياً لتفكيك النظام السياسي بأكمله في الدولتين، وبهذه المناورة، نجحت الإدارة الأمريكية في القفز فوق أسوار القانون الدولي وحصانة السيادة، محوّلةً المشهد من صراعٍ أيديولوجي بين طرفين إلى مجرد "مهمة إنفاذ قانون" لمطاردة رئيسٍ عُومل كمجرمٍ فارّ من العدالة.
المساحة والديموغرافيا
- لكن الفجوة الأولى تكمن بين الحالتين في الحجم؛ فبينما كانت بنما دولة صغيرة يسهل احتواؤها أمنياً، تمثل فنزويلا تحدياً لوجستياً هائلاً بكتلة بشرية تفوق بنما بسبعة أضعاف، ومساحة جغرافية شاسعة تجعل من فكرة "السيطرة الكاملة" دون وجود عسكري دائم أمراً شبه مستحيل، وهو ما يحذر منه الخبراء العسكريون الذين يخشون تحول البلاد إلى "مستنقع" استنزاف.
بلا تواجد
- في عام 1989، كانت القوات الأمريكية متمركزة في "منطقة القناة" داخل بنما قبل بدء "عملية القضية العادلة"، ما سهل السيطرة السريعة والانسحاب، أما في فنزويلا اليوم، فتفتقر واشنطن إلى أي وجود عسكري على الأرض، ما يضطرها للاعتماد على ضربات عن بعد وعمليات خاصة محدودة لا تضمن استقرار مرحلة "ما بعد السقوط".
دون اتفاق
- نجحت عملية بنما لأن المعارضة السياسية كانت منظمة وجاهزة لتسلم المكاتب الحكومية فور سقوط "نورييجا"، وفي المقابل، تسببت تصريحات الرئيس "دونالد ترامب" التي قللت من شأن زعيمة المعارضة "ماريا كورينا ماتشادو" (الحائزة على جائزة نوبل للسلام لعام 2025) في خلق حالة من الارتباك؛ حيث لا توجد حتى الآن خطة انتقال واضحة تحظى بإجماع داخلي، ما ينذر بصراع على مقاعد السلطة الشاغرة.
| بعض أشكال التدخل الأمريكي خلال العقود الماضية | ||||
| العام | الدولة | شكل التدخل الأمريكي | الذريعة المعلنة | النتيجة |
| 1847 | المكسيك | غزو شامل | نزاعات حدودية | خسارة المكسيك لـ 55% من أراضيها |
| 1898–1902، 1906–1909، 1917–1922، 1961 | كوبا / بورتو ريكو | دعم عسكري واحتلال وتدخل استخباراتي | دعم كوبا في حرب الاستقلال ضد إسبانيا | احتلال كوبا والسيطرة على بورتو ريكو وخليج جوانتنامو |
| 1915–1934، 1959 | هايتي | غزو عسكري وتدخل استخباراتي | تثبيت الاستقرار وحماية المصالح بعد الاضطرابات | سيطرة على الجمارك والخزانة والبنك المركزي حتى 1934؛ دعم بقاء الديكتاتور "فرانسوا دوفالييه" لاحتواء الثورة الكوبية |
| 1964، السبعينيات | البرازيل، تشيلي، الأرجنتين | استعداد عسكري ودعم استخباراتي | مواجهة المقاومة خلال الانقلاب وتصعيد القمع | التمركز قبالة سواحل البرازيل، واضطهاد واغتيال المعارضين في إطار ما عُرف بعملية "كوندور" |
| 1903–1989 | بنما | دعم الانفصال عن كولومبيا وغزو عسكري مباشر | مكافحة المخدرات وإعادة الديمقراطية | غزو بـ 27 ألف جندي؛ مقتل مدنيين وجنود؛ تنصيب رئيس جديد |
اختلاف المصالح
- بينما كان الهدف في بنما تأمين ممر مائي استراتيجي (قناة بنما)، يتمحور التدخل في فنزويلا حول "الذهب الأسود"، وتضفي الرغبة المعلنة لواشنطن في "إدارة" حقول النفط وإعادة الشركات الأمريكية طابعاً اقتصادياً بحتاً على العملية، ما قد يثير حفيظة القوى الدولية الأخرى مثل الصين وروسيا اللتين تمتلكان استثمارات ضخمة هناك.

النظام الدولي
- جرت أحداث بنما في نهاية الحرب الباردة حين كانت الهيمنة الأمريكية غير منازعة في نصف الكرة الغربي، أما اليوم، فتجري العملية في عالم متعدد الأقطاب، وتحت مجهر "وسائل التواصل الاجتماعي" التي تنقل الانفجارات والضحايا لحظياً، ما يرفع الكلفة السياسية والأخلاقية لواشنطن أمام المجتمع الدولي بشكل لم تعهده منذ "بوش الأب" في الثمانينيات.
فوضى مطلقة
- تؤكد البيانات الواردة من خبراء "البنتاجون" وجامعة "جورج تاون" أن طموح الرئيس "ترامب" في إعادة ضخ مليارات الدولارات عبر شركات النفط الأمريكية يصطدم بواقع أمني شديد التعقيد، فوجود عصابات التعدين غير القانوني ومرتزقة كولومبيين في مناطق العمق الفنزويلي لا يهدد الاستقرار السياسي فحسب، بل يمثل "كابوساً" لوجستياً لعمليات استخراج الخام.
الفراغ الأمني
- هذه الجماعات المسلحة قادرة على استهداف خطوط الأنابيب ومنشآت التكرير المتهالكة أصلاً، وتحويلها إلى أوراق ضغط مالي وسياسي، وفي ظل غياب جيش نظامي مهيكل، فإن تحول الجنود الموالين للنظام السابق إلى "متمردين في الغابات" سيعني اضطرار الشركات الأمريكية لتحمل تكاليف تأمين باهظة، وهو ما قد يجعل "النفط الفنزويلي" استثمارًا عالي المخاطر، وغير مجدٍ اقتصادياً في المدى القريب.
مهارة الانتقاء
- أثار التدخل العسكري موجة من القلق الوجودي لدى عواصم المنطقة؛ فإذا كانت "السيادة" مجرد مفهوم مرن يمكن لواشنطن تعليقه تحت ذرائع جنائية، فإن ذلك يضع دولاً مثل المكسيك وكولومبيا في حالة تأهب، وقد يدفع هذا "الذعر السيادي" دول القارة نحو بناء تحالفات دفاعية مع قوى منافسة لأمريكا، ما ينهي عصر "الاستقرار تحت الهيمنة الوحيدة".

حلم يتبخر
- بدلاً من حل أزمة المهاجرين، قد يؤدي الاضطراب الأمني اللاحق للعملية الأمريكية إلى موجات نزوح جديدة لملايين الفنزويليين نحو الدول المجاورة التي تعاني أصلاً من ضغوط اقتصادية، وكذلك فإن أي تعثر في إعادة تشغيل قطاع النفط الفنزويلي سيعني استمرار الانهيار الاقتصادي، ما يحول فنزويلا من شريك تجاري محتمل إلى "عبء أمني واقتصادي" يبتلع استقرار الأمريكتين لجيل كامل.
عقيدة دونرو
- تستشعر مراكز الفكر في بكين نذر خطرٍ جراء ما تصفه بـ "المونروية الجديدة"؛ حيث لم يكتفِ "ترامب" بإحياء "عقيدة مونرو" التقليدية، بل أعلن تجاوزها بنيوياً لصالح ما بات يُعرف بـ "عقيدة دونرو"، في تحول جذري من مجرد التحذير التقليدي الذي أطلقته السياسة الخارجية الأمريكية في القرن التاسع عشر ضد التغلغل الأوروبي في القارة، إلى استراتيجية هجومية تُصنف القوى المنافسة من خارج نصف الكرة الغربي كتهديد استراتيجي مباشر للأمن القومي في الأمريكتين.
المصادر: أرقام - ذا كونفرسيشن - إن بي آر - ذا جارديان - يو إس إيه توداي - يوروبيان بيزنس مجازين - أوه دي آي - يورايسيا جروب
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة ارقام ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من ارقام ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
