كشفت أبحاث طبية حديثة أن الإفراط في استخدام الشاشات، سواء عبر مشاهدة التلفاز لفترات طويلة أو تصفح الهواتف المحمولة، يحمل أضراراً جسيمة تتجاوز إجهاد العين، وتمتد إلى التأثير المباشر على بنية الدماغ ووظائفه الحيوية لدى البالغين.وأكَّد الباحثون أن قضاء أكثر من ساعتين يومياً أمام الشاشات خارج أوقات العمل يؤدي إلى تأثيرات سلبية مدمرة على الدماغ، واعتبروا هذه الممارسة خطراً خفياً لا يشعر به المستخدم لحظة التحديق، لكنه يتحول مع التكرار اليومي إلى كارثة صحية صامتة بمرور الوقت، بحسب تقرير لجامعة ستانفورد. ترقق القشرة المخية واضطراب الوظائف الإدراكية أظهرت الدراسات أن الإفراط في استخدام الشاشات لدى البالغين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و25 عاماً تسبب في ترقق القشرة المخية، وهي الطبقة الخارجية للدماغ المسؤولة عن الذاكرة والوظائف الإدراكية مثل اتخاذ القرار وحل المشكلات.وأثبتت أبحاث أخرى أن مشاهدة التليفزيون لمدة خمس ساعات أو أكثر يومياً زادت من خطر الإصابة بأمراض دماغية خطِرة، من بينها الخرف، والسكتة الدماغية، ومرض باركنسون، ما عكس حجم التأثير التراكمي لهذه العادة اليومية. اضطراب النوم وتأخير هرمون الميلاتونين أثبتت الأبحاث أن الضوء المنبعث من الشاشات يتسبب في تأخير إفراز هرمون الميلاتونين من الغدة الصنوبرية، ما يربك الإيقاع البيولوجي الطبيعي للجسم ويؤدي إلى صعوبات حادة في النعاس، خصوصاً عند استخدام الهاتف قبل النوم مباشرة.وربط متخصصون بين هذا الاضطراب المزمن وبين تراجع القدرة على التركيز، وتقلبات المزاج، وارتفاع مستويات القلق على المدى الطويل. تآكل المادة الرمادية وتقلص حجم المخ وجدت الدراسات أن الأشخاص الذين عانوا إدمان الهواتف الذكية امتلكوا حجماً أقل من «المادة الرمادية» في أدمغتهم، وهي نسيج أساسي مسؤول عن الحركة والذاكرة والتحكم في العواطف.ومع تناقص المادة الرمادية طبيعياً إثر التقدم في العمر، فإن العادات السيئة مثل إدمان الشاشات تسرع من هذا التدهور بشكل خطِر.ووصف متخصصون الوقت المفرط أمام الشاشات بأنه يشبه «تناول السكر» للدماغ، إذ يوفر متعة فورية دون أي قيمة عصبية حقيقية. صدمة عصبية عند الاستيقاظ وقبل النوم حذر الخبراء بشدة من استخدام الهاتف فور الاستيقاظ أو قبل النوم مباشرة، مؤكدين أن النظر إلى البريد الإلكتروني أو وسائل التواصل الاجتماعي والجسم لم يستيقظ بالكامل قد يسبب صدمة للجهاز العصبي، ويحفز استجابة «الكر أو الفر».ولفتوا إلى أن هذه العادة تتسبب في تدريب الدماغ على البقاء في حالة يقظة مفرطة وقلق مستمر، فيما أوضح متخصصون أن تسجيل الدماغ لجسم قريب جداً من الوجه كالهاتف يفُسر فسيولوجياً كتهديد، ما يرفع مستويات القلق بشكل لا واعٍ منذ اللحظات الأولى لليوم. خطوات وقائية لتعزيز صحة الدماغ نصح الخبراء بتطبيق قاعدة 20-20-20 للحد من إجهاد العين، عبر النظر إلى شيء يبعد 20 قدماً (نحو 6 أمتار) لمدة 20 ثانية كل 20 دقيقة، كما أوصوا بعدم لمس الشاشات خلال الساعة الأولى من الصباح.ودعوا إلى استبدال التحديق في الهاتف بعادات داعمة لصحة الدماغ، مثل ممارسة الرياضة، والقراءة، والنظر إلى الأفق أو الطبيعة، مؤكدين أن النوم الجيد، والتواصل الاجتماعي الواقعي، والتأمل، والاستماع إلى الموسيقى الهادئة تعمل كتغذية حقيقية للدماغ وحماية وظائفه الإدراكية.