لم يكن المستقبل، عبر التاريخ، سوى وعدٍ مؤجَّل. سيارات تطير في السماء، وطاقة نظيفة لا تنضب، وحواسيب تفكّر بقوانين الفيزياء نفسها، لا بلغة الصفر والواحد. لعقود طويلة، بدت هذه الأفكار أقرب إلى أحلام رومانسية منها إلى مشاريع قابلة للاستثمار. لكن فجأة، ومن دون ضجيج كبير، بدأ «غد الغد» يتحول إلى شركات، وتقييمات سوقية، وعقود توريد، ومواعيد تشغيل. وما يجمع السيارات الطائرة، والحوسبة الكمية، والطاقة الاندماجية ليس الخيال العلمي، بل كونها تقنيات وُصفت طويلاً بأنها «دائماً على بُعد سنوات، وها هي اليوم تقترب من الإقلاع الفعلي». حلم القرن التاسع عشر منذ أواخر القرن التاسع عشر، حلم البشر بالسيارات الطائرة، حين تخيّل مفكرو أوروبا المستقبل مع بزوغ عصر السيارات الأولى. لكن هذا الحلم خذلهم مراراً. وفي عام 2011، عبّـر المستثمر الشهير بيتر ثيل عن هذا الإحباط بجملة لاذعة: «كنا نريد سيارات تطير، فحصلنا على 140 حرفاً»، في إشارة إلى منصة «تويتر» آنذاك، التي يمكنها إثارة الأعصاب، لكنها لا تنقلك من مكان إلى آخر عبر الهواء. اليوم، يبدو أن هذا التذمّر أصبح من الماضي. ففي مارس من العام الماضي، حصلت شركة «إيهانغ» الصينية، المتخصصة في تصنيع مركبات الإقلاع والهبوط العمودي الكهربائية، على ترخيص لتسيير رحلات سياحية جوية تجارية في مدينتي غوانزو وخفي. وبحلول مطلع عام 2026، تخطط شركة «جوبي أفييشن» الأميركية لإطلاق خدمة سيارات أجرة جوية في دبي، على أن تتوسع لاحقاً في الولايات المتحدة. وقد قفزت القيمة السوقية للشركة من ستة مليارات دولار قبل عام إلى اثني عشر ملياراً حالياً، لتصبح أعلى قيمة سوقية من «رينو»، التي تصنع سيارات تقليدية منذ عام 1898، أو من «ليفت»، التي تدير واحدة من أكبر شبكات النقل الأرضي في العالم. ثلاث تقنيات طال انتظارها لطالما بدت السيارات الطائرة واحدة من تلك التقنيات التي يُقال دائماً إنها «قريبة»، لكنها لا تصل أبداً. وينطبق الأمر نفسه على الطاقة الاندماجية والحوسبة الكمية. إلا أن هذه المجالات الثلاثة بدأت اليوم تفقد سمعتها بوصفها وعوداً مؤجلة إلى الأبد. ومن منظور المستثمرين وبعض العملاء، لم يعد المستقبل بعيداً. فشركات السيارات الطائرة المدرجة، وعلى رأسها «جوبي» و«إيهانغ» إضافة إلى منافستين رئيسيتين، تبلغ قيمتها السوقية مجتمعة نحو 20 مليار دولار، أي أكثر من ثلاثة أضعاف أدنى مستوياتها في سبتمبر 2024. أما شركات الحوسبة الكمية الثلاث المدرجة - «دي - وايف» و«أيون كيو» و«ريغيتي» - فتبلغ قيمتها السوقية مجتمعة 33 مليار دولار، بزيادة قدرها اثنا عشر ضعفاً منذ نهاية عام 2023. وفي ديسمبر، بدأ بنك «جيفريز» الاستثماري تغطية أسهم هذه الشركات، مانحاً اثنتين منها توصية «شراء». وعندما كشفت شركة «كوانتينوم»، وهي شركة ناشئة تُقدَّر قيمتها بنحو 11 مليار دولار، عن حاسوبها الكمي التجاري الجديد في نيويورك قبل شهرين، حضر الحدث كبار عمالقة الصناعة، مثل «إنفيديا» و«جيه بي مورغان» و«هاني ويل»، وجميعهم مستثمرون في الشركة. ويؤكد رئيسها التنفيذي، راج هازرا، أن الشركة بدأت بالفعل بيع الجهاز وإتاحة الوصول إليه عبر الحوسبة السحابية. الاندماج النووي في مجال الطاقة الاندماجية، وقّعت شركتا «هيليون» و«كومنولث فيوجن سيستمز» - وتبلغ قيمتهما معاً نحو 10 مليارات دولار - عقوداً لتزويد «مايكروسوفت» بالطاقة اعتباراً من عام 2028، و«جوجل» إضافة لعميل إيطالي كبير في أوائل ثلاثينيات هذا القرن. وفي 18 ديسمبر أعلنت شركة ثالثة، «تي إيه إي تكنولوجيز»، عن صفقة اندماج غير تقليدية بقيمة ستة مليارات دولار مع شركة وسائل التواصل الاجتماعي التابعة للرئيس الأميركي دونالد ترامب. اختراقات تقنية حاسمة يعود هذا الزخم جزئياً إلى اختراقات تقنية حديثة. ففي حالة المركبات الطائرة الكهربائية، جاءت القفزات من تحسينات هندسية، أبرزها البطاريات الأخف وزناً، والمحركات الكهربائية الأعلى كفاءة، إضافة إلى تطور الأطر التنظيمية التي باتت أكثر استعداداً للتعامل مع هذه المركبات كوسائل نقل جوية آمنة. أما في الحوسبة الكمية والطاقة الاندماجية، فكان التقدم أعمق وأكثر جوهرية، وتعتمد الحوسبة الكمية على «الكيوبِتات»، التي يمكنها تمثيل الصفر والواحد في آن واحد. وإذا جرى الجمع بين عدد كافٍ منها، فيمكن حل مشكلات معينة بسرعة تفوق بكثير الحواسيب التقليدية. غير أن التحدي يكمن في الحفاظ على هذه الحالة الهشة وتصحيح الأخطاء. وفي عام 2024، أثبت باحثون في «جوجل» أن استخدام عدد أكبر من الكيوبِتات الفيزيائية لتشكيل «كيوبِت منطقي» واحد يقلل معدل الخطأ، وهو إنجاز بدّد المخاوف من أن الحوسبة الكمية قد لا تكون عملية أبداً. وفي مجال الاندماج النووي، يتم ضغط الذرات الصغيرة لتكوين ذرات أكبر، مطلِقة كميات هائلة من الطاقة. ويُستخدم في أكثر الأساليب شيوعاً حقل مغناطيسي قوي داخل مفاعل دائري يُعرف باسم «توكاماك». وكلما كان المفاعل أكبر والمجال المغناطيسي أقوى، زادت الطاقة الناتجة. ويشير علماء في «كومنولث فيوجن سيستمز» إلى أن تطور «الموصلات الفائقة عالية الحرارة» كان عاملاً حاسماً، إذ تعمل عند درجات حرارة أعلى بكثير، ما يقلل الطاقة اللازمة للتبريد ويزيد قوة المجالات المغناطيسية. الذكاء الاصطناعي… العامل الخفي في الخلفية، لعب الذكاء الاصطناعي دوراً محورياً في تسريع هذه الإنجازات، من تصميم مواد البطاريات، إلى تصحيح أخطاء الحوسبة الكمية، وصولاً إلى التحكم في البلازما شديدة التقلب داخل مفاعلات الاندماج. المستقبل مسألة سلاسل توريد ورغم كل ذلك، قد لا يكون سر الحماس الحالي تقنياً بحتاً. فكما تحتاج العلوم إلى هندسة، تحتاج الهندسة إلى سلاسل توريد كي تتحول إلى أعمال تجارية. وهنا، يبدو أن الظروف قد نضجت. فشركات المركبات الطائرة تجد اليوم وفرة في خلايا البطاريات، بينما استفادت شركات الحوسبة الكمية من توفر الليزر والمكونات الدقيقة. وبفضل الطلب المستقر من «كومنولث فيوجن سيستمز»، زاد إنتاج موردي الموصلات الفائقة بنحو أربعين ضعفاً منذ عام 2018. مخاطر لا تزال قائمة مع ذلك، لا يخلو المشهد من المخاطر. فمعظم هذه الشركات لا تحقق إيرادات تُذكر، ولا واحدة منها تحقق أرباحاً. كما أن شركات السيارات الطائرة قد تتوقف تماماً بسبب حادث واحد. أما الطلب على الحوسبة الكمية فلا يزال غامضاً مثل الكيوبِتات نفسها. وما الذي يريده دونالد ترامب من الاندماج النووي؟ يبقى سؤالاً مفتوحاً. لكن، وفق هذا المنظور، لم تعد هذه مشكلات تقنية. فالتحديات العلمية الكبرى أصبحت وراءنا، وما تبقى هو اختبار السوق، لا اختبار المختبر. المصدر: "ذي إيكونوميست"