تحقيق: محمود الكومي لم يعد الكتاب المدرسي أو القلم والورقة، الأدوات الوحيدة لإنهاء الواجبات المدرسية، بل باتت نافذة المتصفح، أو تطبيق الذكاء الاصطناعي، هي المساعد الصامت الذي لا ينام، ومستعد لتقديم الإجابة المثالية في أيّ وقت ومن أيّ مكان، بإتقان وبضغطة زر لا تستغرق ثانية واحدة.غيّر ظهور أدوات الذكاء الاصطناعي قواعد العملية التعليمية، وما كان يعرف بالواجبات المدرسية التي تقيس مهارات الطالب في البحث والتحليل والتفكير، أصبح تحدياً يواجه المعلم والمنظومة بأكملها؛ ويطرح سؤالاً مهمّاً: هل باتت هذه الأدوات الحديثة طريقاً سهلاً ومختصراً للنجاح، أم أنها تمهيد لتآكل جوهر التعليم، وتخريج جيل يعتمد على الآلة في أسهل العمليات العقلية؟ في هذا التحقيق، نضيء على الجدل الدائر بين مؤيدين يرون في أدوات الذكاء الاصطناعي نافذة للمستقبل، ومعارضين يحذرون من «كارثة تعطل العقل».بات استخدام الذكاء الاصطناعي في العملية التعليمية ضرورة ملحّة للطلاب، وهو ما أكده عبد المحسن عبدالله، رئيس قسم الدراسات الاجتماعية في مدرسة «سلمان الفارسي الخاصة»، خاصة أن جميع المصادر التعليمية تتجه نحو الرقمنة الشاملة، وعند توظيف هذه التقنيات منهجياً، تتحول إلى أداة فعالة لاكتساب مهارات القرن الحادي والعشرين، بدلاً من تقويضها.وأشار إلى أن هذه الأدوات تسهم في إكساب الطلاب مهارات بحثية متقدمة، عبر تيسير الوصول إلى معلومات غنية ومتنوعة، وتقديم محتوى مختلف في الموضوع الواحد، كما تحفّز مهارة التفكير النقدي، إضافة إلى ذلك، يعزز التفاعل مع المحتوى المقدم عبر الذكاء الاصطناعي مهارة الاستنتاج، حيث يتعلم الطلاب استخلاص النتائج والتعميمات من البيانات المنظمة، والأهم من ذلك، يضمن هذا التفاعل مواكبة الطلاب للتطور والثورة التكنولوجية العالمية، وينمّي لديهم مهارة التعلم الذاتي المستمر، جاعلاً إياهم أكثر استعداداً لمستقبل يعتمد على الذكاء الاصطناعي ركيزةً أساسيةً. أداة داعمة أوضحت الطالبة سما أحمد، في الصف العاشر، أن استخدام الذكاء الاصطناعي في حل الواجبات الدراسية لا يهدف إلى استبدال التفكير والتحليل البشري، بل أداة داعمة تمكّنها من التعمق في فهم الإجابات بدقة أكثر.وأشارت إلى أنه يمكن الاستفادة من هذه التقنية في كتابة المسوّدات الأولية التي تسهم في تنظيم الأفكار وترتيبها قبل الشروع في حل الواجب، مما يقلل احتمالية الوقوع في الأخطاء ويرفع من جودة المخرجات النهائية.من جهته، أكد أحمد الديب (ولي أمر) أهمية الرقابة الأبوية المشددة على استخدام الطلاب لأدوات الذكاء الاصطناعي في العملية التعليمية، مشدداً على أن هذه الأدوات يجب أن تكون مساعداً وليست بديلاً عن الفهم والتحصيل العلمي. وأشار إلى أن الاستخدام الأمثل لهذه التقنيات يجب أن يقتصر على مرة أو مرتين يومياً في حدّ أقصى وفي نطاق محدود من المواد، وحذر من أن الاعتماد الكلي عليه في حل الواجبات ينطوي على عيوب تفوق ميزاته بكثير، حيث يميل الطالب في أغلب الأوقات إلى نسخ الإجابة ولصقها من دون أدنى محاولة للفهم أو التحقق. أشخاص مجهولين تكمن الخطورة الأكبر في أن معلوماته تغذّى بمحتوى قد يكون خطأً أو غير موثوق، ويكون مصدره أشخاصاً مجهولين أو غير ذوي اختصاص، على النقيض من الكتب والمراجع المدرسية التي وضعتها وزارة التربية والتعليم بعد جهود ودراسات علمية موثقة واعتمدها العلماء. لذا، تبقى مسؤولية الوالدين والمعلم مراجعة الإجابات وتحذير الأبناء دائماً من الإفراط في هذا الاستخدام.وفي هذا الإطار، دعت رنا محمد القاضي، الأخصائية الاجتماعية، إلى ضرورة دمج استخدام الذكاء الاصطناعي في الواجبات المنزلية بدلاً من منعه، وأكدت أنه أداة مساعدة إيجابية إذا تدرّب الطلاب على استخدامه بفاعلية وأخلاق.وأشارت إلى جوانب إيجابية تشمل توفير الوقت، تعزيز المعرفة، دعم التعلم الذاتي، ومجاراة التكنولوجيا، كما شددت على أن دمج الذكاء الاصطناعي في التعليم يجب أن يهدف إلى تعزيز الفهم والتفاعل مع المواد التعليمية وتحسين الأداء الأكاديمي، خاصة في فهم المفاهيم الصعبة، شريطة أن يتم ذلك بشكل أخلاقي ومسؤول.في سياق وضع القواعد، كشفت رنا محمد، عن الإرشادات التي وضعتها إدارة المدرسة لضمان النزاهة الأكاديمية، وتشمل ضرورة ذكر المصادر التي استخدمها الطلاب، والتقييم المستمر لمهارات الطلاب كالتفكير الناقد والتحليل أثناء الحصص الدراسية، وإعطاء ورش ومحاضرات عن الاستخدام الآمن والأخلاقي للذكاء الاصطناعي، يقدّمها الطلاب أنفسهم أو متخصصون. وبصفتها مشرفة اجتماعية ونقطة وصل بين المعلمين، أولياء الأمور، والطلبة، أفادت بأنها قدمت مبادرات لتنظيم الاستخدام الصحيح للذكاء الاصطناعي في المنزل والمدرسة، من أبرزها تنظيم ورش توعوية للمعلمين وأولياء الأمور لشرح كيفية الاستخدام الأخلاقي والمسؤول للذكاء الاصطناعي، وتدريب الطلاب على تقديم محاضرات حول إيجابيات وسلبيات التكنولوجيا الجديدة، وتوفير موارد تعليمية، كالفيديوهات التوعوية، للمعلمين وأولياء الأمور لمساعدتهم على فهم سياسات المدرسة وضمان التزام الجميع بها. وختاماً، أكدت أن استخدامه يجب أن يقترن دائماً بتعليم الطلاب أهمية السلوك الأخلاقي ومفهوم النزاهة والأمانة العلمية. تعطيل العقل في المقابل، أطلق الدكتور خليل الزيود، المستشار التربوي للشؤون الأسرية، تحذيراً بشأن استخدام الذكاء الاصطناعي في حل الواجبات المدرسية، مؤكداً أنه «لن يكون له أي أثر إيجابي أبداً، ويعطل القدرات العقلية كاملة».وشدد على أنه يجب أن يعطل. ولا يستخدم إلا في الناحية البحثية الخاضعة للإشراف»، وفسر ذلك بأن يجلس الطلاب مع الأستاذ للبحث في موضوع معين، ثم استخراج المعلومات والتأمل والتفكير فيها بشكل نقدي.وخلص إلى أن استخدامه بديلاً للواجبات المدرسية كارثة لتعطيل قدرات الطلاب، مثل التفكير السهل، والفهم والاستيعاب من الدرجة الأولى. فالذكاء الاصطناعي يضرب الذكاء الطبيعي في المدارس إذا ترك الأمر بلا سيطرة.وإجمالاً يضع الذكاء الاصطناعي العملية التعليمية أمام مفترق طرق، فإما أن يُستخدم رافعةً لمهارات التفكير النقدي في إطار رقابي منظم، أو يتحول إلى سيف يضرب القدرات العقلية الأساسية لو ترك بلا ضوابط أخلاقية أو إشراف تربوي وأسري.