في العصور الوسطى، عاش أحد أباطرة أوروبا حياة مترفة للغاية، وكان مولعًا بالملابس والعطور والزينة بشكل فج، حتى أهمل الإنفاق على الجيش والتجارة وتأمين أساسيات العيش. وذات يوم، وصل إلى مملكته شخص غريب زعم أنه أمهر نساج على مر الزمان، وقد وعد الإمبراطور بأن ينسج له ثوبًا لا مثيل له على الإطلاق إذا زوده باحتياجاته. على الفور، خصص له الإمبراطور منزلًا كبيرًا به ورشة، وأغدق عليه المال والذهب وزوده بالأنوال والمعدات وأجود أنواع القماش والخيوط، حتى منحه إبرة ذهبية لتليق بحياكة "أعظم ثوب لأعظم إمبراطور". كان الوعد: حياكة ثوب فاخر لا يراه إلا العظماء والعباقرة ولا يمكن لأي شخص غبي أو وضيع أو جاهل أن يراه. صدق الإمبراطور المختال وابتهج النساج المحتال. عندما ذهب الوزير إلى النساج وجده يعمل لكن على أنوال فارغة، ليفاجئه النساج بسيل من الأسئلة: ما رأيك يا سيدي في الألوان؟ هل النقوش مناسبة؟ هل الخياطة متناسقة؟ تعرق الوزير وتسارعت دقات قلبه، فهذا لا يعني سوى شيء واحد: "الوزير من الحمقى وغير مناسب لمنصبه"، لم تكن أمامه خيارات كثيرة، فلن يضحي بمنصبه بعد هذه السنوات في البلاط الملكي، ليرد سريعًا: "كل شيء رائع.. ثوب يليق بإمبراطور الزمان". الجميع كان يخشى إخبار الإمبراطور بالحقيقة كي لا يظن أنهم غير أكفاء لمناصبهم، حتى الإمبراطور نفسه خشي أن ينكشف أمره أمامهم، وطلب منهم أن يساعدوه في ارتداء الثوب الجديد. لكن كي يرتدي الثوب الجديد يجب أن يخلع القديم.. وهكذا خرج الإمبراطور إلى شعبه مرتديًا ثيابًا لا تُرى، ومع ذلك، يراها الجميع ويثنون عليها وعلى اختيارات الإمبراطور الاستثنائية. عندما وصلت أنباء الإمبراطور العاري إلى أعدائه التاريخيين في الشمال كانت هذه اللحظة التي قرروا فيها نهاية ملكه، ونجحوا بالفعل في اغتياله عبر فرقة من المتسللين مكنتهم من السيطرة على بلاده دون قتال. في الحقيقة، لم يهزم الإمبراطور بسبب عري جسده، وإنما بسبب عري عقله وعقود من الإهمال والفساد، بسبب كذبه على نفسه وكذب الجميع عليه، بسبب بلد "ليس فيها رجل رشيد"، وما كانت لحظة تبختره بثوبه المزعوم إلا اللحظة التي كشفت ظهر مملكته قبل كشف ظهر حاكمها. إمبراطور جديد راقص - هذه القصة المستوحاة من الرواية القصيرة "ثياب الإمبراطور الجديدة" للكاتب الدنماركي "هانس كريستيان أندرسن" المنشورة عام 1837، ليست خيالية تمامًا.. وإذا كنت وصلت إلى هذا الحد فبالتأكيد أنت تعلم من المقصود الآن. - على مدار الأشهر القليلة الماضية، توالت التهديدات الأمريكية لفنزويلا ورئيسها المخلوع "نيكولاس مادورو"، وضربت الولايات المتحدة حصارًا بحريًا حول البلاد وطاردت ناقلات النفط وقصفت ما قالت إنها "سفن لنقل المخدرات". - بينما أكدت الإشارات القادمة من واشنطن عزم "ترامب" مهاجمة فنزويلا، لجأ الرئيس اللاتيني إلى طمأنة شعبه، وبعد سلسلة من الخطابات الرنانة مثل الذي تحدى فيه نظيره الأمريكي قائلًا "تعال وخذني، سأنتظرك هنا يا جبان"، تبنى "مادورو" استراتيجية استثنائية. - في الأسابيع الأخيرة قبل اختطافه، حاول "مادورو" أن يظهر كشخص لا يبالي بالتهديدات الأمريكية، وكرئيس محب للسلام، لذلك ظهر بشكل متكرر وهو يرقص بشكل ارتجالي، وكانت رقصته الأخيرة على أنغام أغنية "لا للحرب، نعم للسلام" (وهي كلمات مقتطعة من خطابات بصوته مع خلفية موسيقية إلكترونية). - المفارقة الساخرة أن رقصه المتكرر مؤخرًا، كان سببًا في التعجيل بالعملية العسكرية ضده، حيث اعتبرته واشنطن سخرية منها واختبارًا لصبرها بعد رفضه خيار "المنفى الفاخر" طواعية، بحسب تقارير. والأسوأ من ذلك، أن "ترامب" قال إنه يحاول تقليد حركاته الراقصة في المؤتمرات الشعبية. مجموعة المتسللين - توقع كثيرون (ربما "مادورو" من بينهم) أن يقع صدام عسكري واسع النطاق على الأرض، حيث يمكن للميليشيات الشعبية المسلحة أن تستنزف أقوى جيش في العالم عبر صراع طويل الأمد، ويدخل الشعب الفنزويلي في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة التي ستظهر بمظهر الغازي. - استعدادًا لذلك هدد "مادورو" وحكومته بتسليح الملايين من الشعب وتحويلهم إلى مقاتلين، ونشرت السلطات مقاطع مصورة لتوزيع البنادق على المواطنين وتدريبهم على استخدامها، وتوعدت بنشر آلاف الصواريخ المضادة للطائرات في أنحاء البلاد، لتصور المشهد كما لو أنها تعيد إنتاج "حرب فيتنام". - بينما يمارس "مادورو" هوايته في الرقص أمام العامة، نشرت أمريكا فريقًا من الجواسيس في كاراكاس (بينهم مصدر بالحكومة الفنزويلية) راقبوا كل تحركات الرئيس على مدار أشهر بما في ذلك غرفة نومه وأكله، وأعدوا خطة "عملية العزم المطلق" بحلول أوائل ديسمبر. - في صباح السبت 3 يناير، وبأمر من "ترامب"، انطلقت العملية بمشاركة 150 طائرة، وسرعان ما أصبحت سماء كاراكاس تحت سيطرة الأمريكان، فدوت الانفجارات وتصاعدت أعمدة الدخان بحلول الثانية صباحًا بالتوقيت المحلي، ثم غرقت المدينة في ظلام دامس. - بعد دقائق قليلة وصلت وحدة "دلتا" إلى مقر إقامة (حصن) "مادورو"، ورغم استعداد الحرس الخاص به، تمكنت فرقة النخبة الأمريكية من اقتحام المكان. حاول "مادورو" الهرب إلى غرفة آمنة، لكن القوات باغتته قبل أن يتمكن من إغلاق باب الغرفة مباشرة. - اعتقلت قوات "دلتا" (التي فشلت من قبل في إيران والصومال) الرئيس وزوجته، وانتهت العملية العسكرية وغادرت المروحيات الأراضي الفنزويلية بحلول الساعة 04:20 صباحًا، بعد ساعتين وعشرين دقيقة تقريبًا. - بالوصول إلى هذه النقطة، قد يقول المرء "يا لحظ هذا الرجل، تأخر ثوان عن إغلاق باب غرفته الآمنة، وربما دقائق قليلة عن الهرب من مقره"، لكن في الحقيقة المدة التي تأخرها "مادورو" كانت 12 عامًا و8 أشهر و15 يومًا بالضبط. دولة مهترئة - المواجهة من نظرة براغماتية بحتة: دولة لديها جيش نشط قوامه 1.3 مليون جندي و13 ألف طائرة حربية وموازنة دفاعية تقارب 900 مليار دولار، في مواجهة نحو 123 ألف جندي مع 230 طائرة بعضها من الثمانينيات وأنظمة دفاع عتيقة وموازنة بالكاد تبلغ بضعة مليارات. - لم ينجح "ترامب" بفضل قدرات بلاده الفائقة بقدر ما كان حسن استغلالٍ للظروف وعري دولة بأكملها. تخيل أنه خلال عملية عسكرية واسعة كتلك، أصيبت مروحية أمريكية واحدة (تمكنت من التحليق لاحقًا) و7 جنود أمريكيين، ولم يقتل أي منهم أو تفقد معداته. - أما على الجانب الآخر فحدث ولا حرج، حيث قتل 32 كوبيًا (حرس مادورو)، إلى جانب 23 عسكريًا فنزويليًا. إجمالًا قالت الحكومة إن 100 شخص قتلوا في الهجوم الأمريكي بينهم مدنيون. - هذه الهزيمة الفادحة والفاضحة، إنما تأتي بعد سنوات طويلة من الانهيار، لم تتدرب فيها القوات المسلحة الفنزويلية على استخدام الأسلحة بشكل جماعي، وضعفت قدرتها على قيادة عمليات معقدة، حيث انخفض الإنفاق العسكري من 6.2 مليار دولار عند تولي "مادورو" السلطة إلى 4 مليارات دولار في 2023. أمة مكبوتة واحتفال صامت - قد يكون من الظلم القول إن "مادورو" وحده سبب ما آلت إليه الأمور في فنزويلا، ففي عام 2013، تسلم مقاليد دولة لا يمكنها حتى أن توفر لمواطنيها ورق التواليت. - لكن "مادورو" عاش حياة إمبراطورٍ اختار الصمم عن أنين شعبه، والعمى عن تآكل دولته، مكتفيًا بخطاباته وضجيج مؤامراته المتخيلة، حتى إذا صرعته النهاية فانقلب صوته من التحدي إلى الاستعطاف، داعيًا إلى "السلام وتقاسم الموارد مع أمريكا". - في دولة لا تتحلى بمقومات الحياة الأساسية، وتفرض حمية إجبارية على السكان، ولا قيمة للمال فيها، وتنتشر المجموعات المسلحة فيها كالسرطان، ويرتع مهربو المخدرات على حدودها، كان من المنطقي أن ينتهي الأمر برأس الدولة وحيدًا لم يدافع عنه سوى المرتزقة وبعض الفنزويليين الذين قادهم القدر إليه في تلك الليلة. - في مدينة دورال، بفلوريدا، التي تحتضن إحدى أكبر الجاليات الفنزويلية في الولايات المتحدة، خرج السكان للاحتفال باعتقال "مادورو" ورفعوا لافتات شكروا فيها "ترامب". - بينما لم يعد أمام "مادورو" الآن أي فرصة لقيادة "ثورة ما ضد العدوان الإمبريالي" ودحر "المؤامرات"، فإن "ترامب" يجني ثمار ما بناه أسلافه (الهيمنة التي يحاول هو الحفاظ عليها حتى لو على حساب أي دولة أخرى). - في النهاية سيحصل "ترامب" على النفط والموارد الأخرى، ويظهر كمنقذ خلص فنزويلا من "الديكتاتور" وضخ عشرات مليارات الدولارات، التي ستنعش اقتصاد البلاد المتعثر وتمنح السكان أملًا، فيما لن يحصل "مادورو" على الأرجح سوى على 3 وجبات في مواعيد ثابتة يوميًا لفترة طويلة من الزمن. - ما لم يدركه "مادورو" عندما ظهر راقصًا مرة تلو الأخرى، أن ظهره وظهر بلاده انكشف قبل وقت طويل، وأن كل من قال له "أنت محق يا سيدي الرئيس"، ضلله وقاده إلى الهلاك عبر سيناريو ليس مبتكرًا. المصادر: أرقام- لوموند- نيوزويك- بي بي سي- سي إن إن- بلومبرج- فايننشال تايمز- نيويورك تايمز- ذا مارشال بروجيكت- ليبراري أوف شورت ستوريز