المستثمرون لا يسعّرون الأساسيات الاقتصادية بل مصداقية المؤسسات
****************************
القضية لا تتعلق بالمكانة الشخصية لباول بل بمصداقية احتياطي الفيدرالي
***************************
أبرز التداعيات المباشرة تتمثل في الأثر المُثبِّط على عملية اتخاذ القرار
***************************
يمثل إطلاق المدّعين العامّين في الولايات المتحدة تحقيقاً جنائياً بحق رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول، بصرف النظر عن وجاهته النهائية أو مآلاته، أحد أخطر اختبارات الضغط التي تعرّض لها مبدأ استقلالية البنوك المركزية في التاريخ الأمريكي الحديث.
وحتى لو تبيّن أن التحقيق محدود أو إجرائي أو بلا أساس، فإن آثاره السياسية والمؤسسية والنفسية قد تتجاوز بكثير الإطار الزمني للعملية القانونية نفسها. فالقضية لا تتعلق فقط بالمكانة الشخصية لباول، بل بمصداقية الاحتياطي الفيدرالي بوصفه سلطة مستقلة محصّنة من الضغوط الحزبية، والترهيب القانوني، والحوافز السياسية قصيرة الأمد.
واستقلالية البنك المركزي ليست مبدأً دستورياً صريحاً في الولايات المتحدة، بل عرفٌ تم بناؤه بعناية عبر التشريعات والسوابق وضبط النفس المتبادل. ويستمد الاحتياطي الفيدرالي سلطته من الكونغرس، لكن استقلاله العملي، ولاسيما فيما يتعلق بأسعار الفائدة والسياسة النقدية، يقوم على عقد اجتماعي ضمني: يلتزم فيه الفيدرالي بالحياد السياسي والطابع التكنوقراطي، مقابل امتناع المسؤولين المنتخبين عن التدخل في قراراته. ويفتح التحقيق الجنائي مع رئيس حالي للاحتياطي الفيدرالي ثغرة خطِرة في هذا التوازن.
الأثر المُثبِّط على صنع السياسة النقدية
أكثر التداعيات المباشرة يتمثل في الأثر المُثبِّط على عملية اتخاذ القرار داخل اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة. فالسياسة النقدية تُدار أصلاً تحت رقابة سياسية مكثفة، ولاسيما في فترات التضخم أو الركود أو الاضطراب المالي. وإدخال شبح المسؤولية الجنائية إلى هذا السياق قد يدفع إلى حذر مفرط، أو إلى سياسات دفاعية، أو — وهو الأخطر — إلى تشويه القرارات؛ بهدف تفادي ردود الفعل السياسية بدلاً من الالتزام بالتفويض المزدوج للاحتياطي الفيدرالي.
وإذا بدأ كبار مسؤولي الفيدرالي يعتقدون أن رفع أسعار الفائدة بقوة، أو إطلاق برامج طوارئ للسيولة، أو استخدام أدوات غير تقليدية قد يُعاد تفسيره لاحقاً من منظور ادّعائي، فقد يترددون في لحظات تتطلب الحسم. وفي أوقات الأزمات المالية، قد يكون التردد كارثياً. فاستقلالية البنك المركزي وُجدت تحديداً لتمكين صانعي السياسة النقدية من اتخاذ قرارات جريئة وغير شعبية أحياناً، من دون خوف من الانتقام.
السابقة وخطر تسييس إنفاذ القانون
حتى لو جرى التحقيق بحسن نية، فإنه يؤسس سابقة قد تستغلها إدارات مستقبلية من أي حزب كان. فبمجرد اختراق الحاجز الفاصل بين الخلافات حول السياسة النقدية وإنفاذ القانون الجنائي، يصبح من الأسهل تحويل التحقيقات إلى أداة ضد مسؤولي البنوك المركزية الذين لا ترضي سياساتهم المؤسسة السياسية. وهذا الخطر ليس نظرياً. فالتاريخ مملوء بالأمثلة، من تركيا إلى الأرجنتين إلى هنغاريا؛ حيث بدأ الضغط السياسي على البنوك المركزية بشكل تدريجي، غالباً تحت ستار التدقيق القانوني أو الأخلاقي، قبل أن يتطور إلى سيطرة مباشرة. والولايات المتحدة ليست محصّنة من تآكل مؤسساتها؛ فقوتها تكمن في الأعراف لا في الضمانات المطلقة.
وقد يؤدي التحقيق الجنائي مع باول إلى تطبيع فكرة أن نتائج السياسة النقدية، مثل ارتفاع التضخم أو تشكّل فقاعات أصول، تمثل دليلاً على سوء سلوك، لا حصيلة مفاضلات معقّدة وغير يقينية. وهذا التحول من شأنه أن يغيّر جذرياً طريقة عمل البنوك المركزية، مستبدلاً الحكم المهني بالدفاع القانوني.
ثقة الأسواق والارتدادات العالمية
لا يُعدّ الاحتياطي الفيدرالي مجرد بنك مركزي للولايات المتحدة، بل هو الركيزة الفعلية للنظام المالي العالمي. وأي تآكل متصوَّر في استقلاليته ينعكس فوراً على العملات وأسواق السندات وتدفقات رأس المال في العالم. فالمستثمرون لا يسعّرون الأساسيات الاقتصادية فحسب، بل أيضاً مصداقية المؤسسات.
ويخاطر التحقيق مع رئيس الاحتياطي الفيدرالي بإدخال عنصر مخاطرة سياسية إلى السياسة النقدية الأمريكية، وهو عامل طالما تجاهلته الأسواق. وإذا بدأ المستثمرون يشتبهون في أن قرارات أسعار الفائدة قد تتأثر بالضغط القانوني أو الأجندات الحزبية أو الخوف من الملاحقة، فقد ترتفع عوائد سندات الخزانة الأمريكية لتعكس علاوات مخاطر أعلى. أما مكانة الدولار كعملة احتياط عالمية، فحتى إن لم تنهَر، فقد تتآكل تدريجياً. والمفارقة أن التضخم أو عدم الاستقرار الذي قد يُراد معالجة أسبابه عبر هذا التحقيق قد يزداد سوءاً مع تراجع الثقة.
الضرر المؤسسي الداخلي
إلى جانب الأسواق، هناك كلفة داخلية تطال منظومة الاحتياطي الفيدرالي نفسها. فالمؤسسة تعتمد على استقطاب اقتصاديين ومنظمين وخبراء ماليين من الطراز الرفيع، ممن يمكنهم تحقيق دخول أعلى بكثير في القطاع الخاص. وكان الوعد بالاستقلال المهني والحماية من الثأر السياسي جزءاً أساسياً من هذا العقد غير المعلن.
وإذا رأى كبار المسؤولين أن حتى رئيس الاحتياطي الفيدرالي عرضة لتحقيقات جنائية مرتبطة، بشكل مباشر أو غير مباشر، بقرارات السياسة، فقد تتضرر قاعدة الكفاءات. وقد يعزف أصحاب النزعة الحذرة عن تولي مناصب قيادية، ما يضعف المؤسسة على المدى الطويل.
كذلك قد يتآكل التماسك الداخلي، إذ قد يسعى رؤساء البنوك الإقليمية وأعضاء المجلس إلى النأي بأنفسهم عن القرارات المثيرة للجدل، ما يقوّض مبدأ المسؤولية الجماعية الذي تستند إليه مصداقية اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة.
المساءلة ضد الاستقلالية
لا يعني ما سبق أن الاحتياطي الفيدرالي أو قيادته يجب أن يكونوا فوق القانون. فالاستقلالية لا تعني الحصانة. وإذا وُجدت أدلة موثوقة على ارتكاب مخالفات جنائية، كالرشوة أو الاحتيال أو إساءة استخدام المنصب، فإن التحقيق يكون مبرراً، ويجب أن يسري حكم القانون على الجميع.
لكن عبء الإثبات وسقف اللجوء إلى هذا المسار يجب أن يكونا مرتفعين للغاية عند التعامل مع مؤسسة ذات أهمية نظامية بحجم الاحتياطي الفيدرالي. فهناك فرق جوهري بين مساءلة على سوء سلوك شخصي، وتجريمٍ لاحقٍ لأحكام تتعلق بالسياسة العامة. وطمس هذا الخط الفاصل يهدد بتحويل الحوكمة المستقلة إلى هشاشة مسيّسة.
فالرقابة البرلمانية، ومراجعات المفتش العام، ومتطلبات الشفافية توفر بالفعل آليات للمساءلة من دون تقويض الاستقلالية. ويجب أن تظل الملاحقة الجنائية هي الملاذ الأخير، لا الأداة الأولى في الصراع السياسي.
التداعيات المؤسسية طويلة الأمد
الخطر الأعمق لا يكمن في مصير باول، بل فيما يتبع ذلك. فإذا تولى رؤساء الاحتياطي الفيدرالي في المستقبل مهامهم وهم يفترضون أن الخطر القانوني بات جزءاً روتينياً من الوظيفة، فإن سلوك المؤسسة سيتغير بطرق خفية ولكن عميقة. وقد تصبح السياسة النقدية أكثر تساهلاً في دورات الانتخابات، وأكثر خضوعاً للسلطات المالية، وأقل استعداداً لمواجهة الاقتراض الحكومي غير المستدام.
وعلى المدى البعيد، سيشكّل ذلك ابتعاداً هادئاً لكنه حاسم عن التوافق الذي تبلور بعد حقبة بول فولكر، والذي وفّر — رغم عيوبه — عقوداً من الاستقرار النقدي النسبي.
والتحقيق الجنائي مع جيروم باول ليس مجرد حدث قانوني، بل صدمة مؤسسية. وحتى لو تمت تبرئته، فإن الإشارة التي تُرسل إلى الأسواق وصانعي السياسات والبنوك المركزية المستقبلية قد تكون دائمة. فاستقلالية الاحتياطي الفيدرالي تعتمد أقل على النصوص القانونية، وأكثر على ضبط النفس والاحترام المتبادل بين المؤسسات.
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة صحيفة الخليج ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من صحيفة الخليج ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
