تحقيق: محمود الكومي
في عالم باتت فيه الشاشة الصغيرة هي نافذة المجتمعات على الحقيقة والزيف، وفي زمن تقاس فيه قيمة الإنسان بعدد المتابعين ومدى قدرته على حصد «اللايكات»، تحولت منصات التواصل الاجتماعي من مساحات للتواصل إلى ميادين مفتوحة لصناعة الوعي..أو تزييفه.
وبينما تضج الخوارزميات بمحتوى سريع الاستهلاك، يبرز التساؤل الجوهري كيف يمكننا أن نصنع محتوى هادفاً يترك أثراً ويبقى وسط ضجيج «التريندات» العابرة؟ وهل أصبحت القيمة والرصانة عائقاً أمام الوصول إلى الملايين.
اليوم لم تعد صناعة المحتوى الهادف مجرد رغبة في التوعية، بل أصبحت فناً يتطلب أدوات ذكية ونفساً طويلاً وقدرة على تطويع التكنولوجيا لخدمة الفكر والجمال وفي هذا التحقيق، نقتحم كواليس العالم الرقمي، لنبحث مع الخبراء وصنّاع التأثير عن الخلطة السرية التي تحول الشاشة من أداة لإضاعة الوقت إلى منارة للعلم والقيم، ونكشف كيف يمكن لشبابنا أن يقودوا دفة «التغيير الإيجابي»، دون السقوط في فخ السطحية.
دور المؤسسات التعليمية
أكدت الدكتورة هيرلي، الأستاذ المشارك في الاتصال الجماهيري في الجامعة الأمريكية بالشارقة، أن المؤسسات التعليمية لم تعد مجرد مراكز لتدريس المناهج، بل أصبحت تؤدي دوراً محورياً في صياغة وعي الشباب تجاه المحتوى الرقمي. وأوضحت أن أهمية العنصر الإنساني، تزداد اليوم أكثر من أي وقت مضى، خاصة في ظل سهولة توليد المحتوى عبر أدوات الذكاء الاصطناعي التي قد تفتقر للحس الأخلاقي أو الجودة المطلوبة. كما حددت ملامح الدور الذي يجب أن تلعبه الجامعات في ثلاث نقاط أساسية وهي تعزيز «الثقافة الرقمية النقدية» أوضحت أن تدريب الشباب يجب أن يتجاوز مهارات التصوير والنشر إلى «التحليل النقدي» لتمكينهم من التحقق من صحة المعلومات، والقدرة على التمييز بين الحقائق وبين المعلومات المضللة أو المحتوى منخفض الجودة الذي تنتجه الآلات بكثافة.
كما دعت هيرلي المؤسسات التعليمية إلى فتح حوارات معمقة ومستدامة حول أخلاقيات النشر، مؤكدة ضرورة رفع وعي الشباب بتداخل الواقعين «الافتراضي» و«الحقيقي» وأشارت إلى أن ما ينشر خلف الشاشات، يترك أثراً بالغاً في الحياة الواقعية، ما يتطلب إدراكاً تاماً لتبعات كل منشور أو «بصمة رقمية».
الجمهور يفرض السطحية
ويرى الدكتور براون، أن المشهد الرقمي الحالي لا يعتمد على طرف واحد، بل هو منظومة متكاملة قائمة على «إعادة مزج الصيحات» (Remix Culture). المحتوى الشعبي يبدأ غالباً من «تيك توك» ثم ينتقل تدريجياً إلى «إنستغرام» وتحديد ما يلقى رواجاً هو مسؤولية مشتركة بين صانع المحتوى الذي يعيد توظيف الصيحات، والجمهور الذي يتفاعل معها.
ومن النظرية إلى «تفكيك» المحتوى، يرى براون أن المؤسسات التعليمية تقف اليوم عند مفترق طرق، وعليها مسؤولية تتجاوز الشرح النظري، ويجب تزويد الطلبة بأدوات مفاهيمية وعملية تمكنهم من «تفكيك المحتوى» وفهم آليات صناعته بدلاً من الاكتفاء بمشاهدته. ومن الضروري تنمية حس نقدي لدى الشباب تجاه مفاهيم، مثل «الانتشار الفيروسي» (Viral) لتمييز التأثير الحقيقي من الضجيج العابر وقال هناك قلق من أن يغري الذكاء الاصطناعي الطلبة (وحتى الأساتذة) بتجاوز تعلم المهارات والتقنيات الأساسية لصناعة الإعلام.
يؤكد براون، أن جوهر دور الأكاديميين هو تعليم «تقنيات الإعلام» لأن تجاوزها يجعلنا نفقد القدرة على أن نكون صنّاع محتوى واعين ومميزين.
دعوة صريحة
ووجه صانع المحتوى خالد العامري، دعوة صريحة لنظرائه بضرورة التوقف عن الانخراط في «حمى» الأرقام والمشاهدات التي تسيطر على الفضاء الرقمي. ووصف العامري الجري وراء الإحصائيات المتسارعة بأنه «سباق مُهلك» يستنزف طاقة المبدع ويجعله يفقد الجوهر الحقيقي لرسالته، وأكد أن البحث عن «الأثر المستدام» والقيمة الحقيقية هو الرهان الرابح، بدلاً من الغرق في دوامة «المشاهدات اللحظية» التي تقود في النهاية إلى، فقدان المعنى، وتشتيت الهدف السامي لصناعة المحتوى.
المحتوى السطحي
يتبنى صانع المحتوى كريم أسامة، فلسفة قوامها أن المؤثر يجب أن يكون قائداً للجمهور لا تابعاً لاهتماماته اللحظية، ويرى أن انجذاب المتابعين للمحتوى السهل في البداية هو أمر طبيعي، لكن صانع المحتوى صاحب الرؤية هو من يستطيع تشكيل ذائقة بديلة وأكثر عمقاً بمرور الوقت، مؤكداً أن المحتوى الحقيقي يبني جسوراً من الثقة والاستمرارية تتفوق على الانتشار الخاطف للمحتوى السطحي. وعلى صعيد الاستدامة المالية يطرح أسامة رؤية واقعية حيث يؤكد أن المحتوى الهادف يمكن أن يكون مشروعاً مربحاً للغاية إذا تم التعامل معه بعقلية احترافية (Business Mindset) لا كجرد هواية عابرة، ويشير إلى أن الربحية تأتي من خلال إدارة المحتوى كمنظومة متكاملة، تبدأ بالفكرة القوية والتنفيذ الذكي، وتنتهي بعقد شراكات تجارية تحترم القيم والمبادئ.
وقال مصطفى ترك: المذاكرة الجيدة للموضوعات والمسؤولية تجاه الأجيال هما مفتاح الاستمرارية، ويرى صانع المحتوى مصطفى ترك أن المؤثر هو المسؤول الأول عمّا يقدمه، مشدداً على ضرورة اختيار الموضوعات بعناية فائقة، لا سيما مع وجود فئات حساسة من المتابعين مثل الأطفال والمراهقين. ويضع ترك «روشتة» للنجاح المستدام تتلخص في «مذاكرة المحتوى» قبل نشره، والتحقق من المعلومات من مصادر موثقة لتجنب فقدان ثقة الجمهور.
الذكاء الاصطناعي
قال أحمد أبو زيد، إن المتعة في المحتوى لم تعد ترفاً، بل أصبحت ضرورة تفرضها طبيعة المنصات الرقمية وسلوك الجمهور، مشيراً إلى أن صانع المحتوى الذي لا يراعي هذا التحول، يفقد فرصته في الوصول والتأثير، وأضاف أن المتعة الذكية تعني تقديم المعلومة بأسلوب جذاب دون التفريط في قيمتها أو تحريف مضمونها. وأوضح أن بناء الثقة مع الجمهور، العنصر الأهم في نجاح المحتوى، لافتاً إلى أن الثقة لا تبنى عبر فيديو واحد، بل عبر مسار طويل من الالتزام، والوضوح، واحترام عقل المتلقي. وبين أن الجمهور بات أكثر وعياً، وقادراً على التمييز بين المحتوى الصادق والمحتوى المصطنع.
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة صحيفة الخليج ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من صحيفة الخليج ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
