د. لويس حبيقة* تعاني التجارة الدولية، مشاكل كبرى، نتيجة التعريفات الجمركية المرتفعة التي وضعها الرئيس ترامب، كما نتيجة التعريفات المعاكسة التي وضعت في وجهها.تأسست العولمة على التجارة الدولية الحرة التي يبدو أنها لن تستمر كذلك. معظم النمو الاقتصادي الدولي حصل منذ الحرب العالمية الثانية، نتيجة الحرية التجارية للسلع التي أفادت الجميع وإن بدرجات مختلفة.تأسست منظمة التجارة العالمية لتحافظ على هذه الحرية التجارية، لكن أعمالها معرقلة نتيجة التعريفات الموضوعة وتخبط السياسات بشأنها.تسهم الحرية التجارية في رفع مستوى فاعلية الإنتاج وتخفيض الكلفة. نتج عن العولمة اتساع الشرخ المالي والمعيشي بين الميسورين والفقراء، كما فسر «بيكيتي» في كتابه عن «رأس المال في القرن ال 21».يقول الاقتصادي من البيرو «هرناندو دي سوتو» إن المشكلة الاقتصادية العالمية لا تعود إلى وجود رأس المال، وإنما إلى غيابه عن معظم الدول النامية والناشئة. غيابه بالمعنى القانوني أو إثبات وجوده بشكل دقيق وحمايته يعتبر عائقاً أمام النمو، بل يمنع عملياً زيادة الاستثمارات. يقول «دي سوتو» أيضاً أنه ليس هناك عداء بين العمل ورأس المال، بل تعاون عملي وتكامل في سبيل تحسين الأوضاع العامة.لم يأت التطور الصيني من الداخل فقط، بل من الاستثمارات الغربية المباشرة في كل القطاعات. تكون العولمة في كل شيء أو لا تكون، أي في الاستثمارات والتجارة والثقافة والتربية والتعليم، وهذا ما حصل منذ أربعينات القرن الماضي وتهدده اليوم سياسات ترامب. هناك انقسام كبير في ما يخص نتائج العولمة. الصراع لن يحسمه الجدال النظري بل الإحصائيات التفصيلية الدقيقة. إذا كانت الأرقام موجودة بالنسبة للدول الصناعية، فهي غائبة عن معظم الدول النامية والناشئة لذا يستمر الصراع الفكري. لا شك في أن العولمة متعثرة اليوم لكنها باقية في منافعها ومساوئها، والمطلوب تحفيز المنافع وتخفيف المساوئ.في إفريقيا هناك 3 مجموعات تجارية كبيرة تمثل 26 دولة اتحدت لخلق منطقة حرة في ما بينها للاستفادة من منافع التجارة. النمو السكاني الأإفريقي يشغل بال المسؤولين حيث إن 80% من الزيادة السكانية العالمية حتى سنة 2100 أو 4 مليار شخص ستحصل في القارة السوداء. حصلت استثمارات مباشرة في إفريقيا قدرها 800 مليار دولار في سنة 2014 بينها 28 مليار من الصين أهمها في قطاع الطاقة. هناك منطقة واحدة في العالم متأخرة في ما يخص التجارة والنمو وهي منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا الغارقة في حروب تعيدنا بسرعة إلى الوراء.تنحصر التجارة الدولية عملياً، في شركات قليلة تتمتع بالنفوذ وتستفيد من اتفاقيات وسياسات تصب في مصلحتها، بل هي وراءها. فالعلاقة العضوية بين المال والسلطة ما زالت قوية في كل الدول. دور المجتمع المدني الوطني والعالمي ما زال خجولاً إذ يحتاج إلى الدعم السياسي والمالي المتعثر. هناك تحالف قوي غير ظاهر عابر للدول بين السلطة والمال في وجه المجتمع المدني، ما يجعل نتائج المعركة محسومة قبل بدئها. * كاتب لبناني