في عتمة منزلها ببلدة غرينوود بولاية نيويورك، لا تضيء "كريسي هالويل" مصباحاً بلمسة زر؛ بل تبدأ طقساً يومياً شاقاً لتشغيل مولد كهربائي خارجي أصبح وسيلتها الوحيدة للتدفئة بعد أن قفزت فاتورة الطاقة الشهرية لمنزلها إلى 1800 دولار، حتى ساعدتها منظمة محلية في التوصل إلى اتفاق مع شركة الكهرباء لقبول دفعة جزئية. وفي مدينة بالتيمور، يتساءل "كيفن ستانلي" الرجل الخمسيني الكفيف بمرارة وهو يلمس أوراق فواتيره التي تضخمت 80% مقارنة بما كانت عليه قبل 3 سنوات، قائلاً: يقولون إن هذا سيخدم الذكاء الاصطناعي، لكن كيف سيخدمني أنا؟". خلف هذه المعاناة الفردية تكمن مفارقة اقتصادية؛ فبينما وعد الرئيس "ترامب" بخفض فواتير الطاقة إلى النصف، أصبحت مراكز البيانات تستهلك كميات هائلة من الطاقة، مسببة ضغطاً غير مسبوق على شبكة بنية تحتية متهالكة بالأساس. لكن مراكز البيانات أصبحت لا غنى عنها، فإلي جانب أنها الركيزة الأساسية للريادة الأمريكية في السباق التقني العالمي، فإنها ضرورية للمواطنين لتوفير وسائل الراحة اللازمة في العصر الحديث، بداية من استخدام "شات جي بي تي" أو حتى طلب سيارة عبر "أوبر" وغير ذلك. استهلاك ضخم مراكز البيانات التي تمتد على مساحات شاسعة تمتلئ بخوادم توفر طاقة الحوسبة والتخزين اللازمين لتدريب النماذج وتشغيلها، وبالطبع تتزايد احتياجاتها من الطاقة بوتيرة متسارعة، وحتى عالميًا من المتوقع أن تستهلك مراكز البيانات أكثر من 4% من الكهرباء بحلول 2035، ولو كانت تلك المنشآت تشكل دولة لاحتلت المرتبة الرابعة في استهلاك الكهرباء عالميًا. ضريبة غير معلنة بينما ينشغل الرئيس بالحروب التجارية وتوسيع النفوذ السياسي، يجد المواطن نفسه يدفع "ضريبة غير معلنة" لريادة بلاده التقنية. ارتفعت فواتير الكهرباء في أمريكا 13% خلال 2025، حسب تقرير منظمة "كلايمت باور"، حتى أن عدد الأسر المتأخرة عن سداد فواتير الخدمات العامة في ولاية تكساس يزيد على 943.5 ألف أسرة. تجاوز التضخم وبعدما كانت تكلفة فواتير الكهرباء متناسبة إلى حد كبير مع معدل التضخم حتى عام 2020، ارتفعت منذ ذلك الحين 38% تقريبًا مع التطور السريع للذكاء الاصطناعي، وعرقلة مشاريع الطاقة النظيفة والاضطرابات الناجمة عن أزمة تغير المناخ، حتى أصبحت مصدرًا رئيسيًا للضغط النفسي على أكثر من ثلث المواطنين. بين الوعود والواقع وفي العديد من الولايات، ارتفعت حالات قطع التيار الكهربائي بسبب عدم سداد الفواتير، ففي نيويورك وحدها ارتفع معدل الانقطاع خمسة أضعاف مقارنة بالعام السابق، مما اضطر بعض الأسر إلى التخلي عن بعض الضروريات الأخرى لتوفير الكهرباء. الصدام بين الطموح التقني وقدرة المواطنين الشرائية المسؤول/الجهة التوضيح وزير الطاقة "كريس رايت" ذكر في منتدى مؤخرًا أن في المناطق الريفية الأمريكية حاليًا، حيث تبنى مراكز البيانات، يشعر الجميع بالغضب بسبب الارتفاع الكبير في أسعار الكهرباء. "ديفيد كرين" مسؤول الطاقة السابق في إدارة "بايدن" يرى "كرين" الذي يتولى إدارة "جينيريت كابيتل" أنه بدون اتخاذ إجراءات تخفيفية سترفع مراكز البيانات تكاليف الطاقة على المواطنين. وهذا الطلب المتزايد ينذر بانقطاعات جزئية للتيار الكهربائي في بعض أسواق الطاقة الأمريكية خلال العام أو العامين المقبلين. "ديفيد سبنس" أستاذ قانون الطاقة بجامعة تكساس أقر بأن مراكز البيانات تتحمل جزءًا من المسؤولية إلى جانب التقنيات الأخرى كثيفة استهلاك الطاقة مثل تعدين البيتكوين والمركبات الكهربائية، مع عدم إمكانية توفير إمدادات جديدة بالسرعة الكافية لمواكبة نمو الطلب. "مارك وولف" المدير التنفيذي لجمعية لبرامج دعم الطاقة"NEADA" بدلاً من خفض فواتير الكهرباء 50%، رفعت سياسة الرئيس تكلفة الطاقة المنزلية لجميع الأمريكيين، وبعدما كان الأشد فقرًا هم من يعانون من تكلفة الفواتير، أصبحت الأسر متوسطة الدخل تضطر إلى تقديم تضحيات لتجنب انقطاع الخدمة. اختلاف النبرة السياسية بعدما ادعى "ترامب" أن أزمة القدرة على تحمل التكاليف رواية زائفة اختلقها خصومه السياسيون، وظل يرجعها دائمًا إلى إدارة سلفه "جو بايدن"، أصبح خفض أسعار الطاقة يمثل أولوية له، وشدد الرئيس على ضرورة تحمل شركات التكنولوجيا تكاليف الطاقة التي تستهلكها. يضع هذا المشهد الولايات المتحدة أمام اختبار حقيقي لموازنة طموحاتها في قيادة عصر الذكاء الاصطناعي – التي تتطلب الوصول للمزيد من الطاقة على مدار الساعة دون انقطاع - مع التزامها بحماية رفاهية مواطنيها، فبينما تواصل مراكز البيانات نموها المتسارع كعمود فقري للاقتصاد الحديث، تظل الفواتير المرتفعة وانقطاعات التيار "ضريبة غير معلنة" تثقل كاهل الأسر الأمريكية. هل ينجح "ترامب" في إجبار شركات التكنولوجيا على تحمل نصيبها العادل من التكلفة؟ أم ستظل فواتير الكهرباء محورًا رئيسيًا قبيل انتخابات التجديد النصفي التي ستعقد في نوفمبر وتحدد ميزان القوى في الكونجرس؟ المصادر: أرقام - وزارة الطاقة الأمريكية - بي بي سي – منظمة "كلايمت باور" - بلومبرج – شبكة "إيه بي سي نيوز" - الجارديان - وول ستريت جورنال