تميّز شعب «المانشو» في الصين عبر تاريخه الطويل بمجموعة من العادات والتقاليد الخاصة المرتبطة بالولادة وتربية الأطفال، من أبرزها ما يُعرف بـ«لوتساو» و«كايشنغ» اللذين يعنيان تعليق قوس خشبي خارج الباب الأمامي للمنزل عند ولادة صبي، أو قطعة قماش حمراء عند ولادة طفلة، حيث تعكس هذه الممارسات مزيجاً من المعتقدات الشعبية والتراث الريفي المرتبط بحياة الصيد والتنقل، التي بقيت حاضرة في الذاكرة الثقافية لهذا الشعب حتى يومنا هذا. ويعدّ «المانشو» من الشعوب المعروفة تاريخياً بتأسيس سلالة «تشينغ» التي حكمت الصين ما بين عامَي 1644 و1912، ويعيش أبناء هذا الشعب حالياً في مناطق متفرقة من أنحاء الصين، وقد أشار الكتاب السنوي للإحصاء لعام 2021 إلى أن عدد شعب «المانشو» تجاوز 10 ملايين نسمة، ما يدل على استمرار حضورهم الديموغرافي والثقافي. ويطلق شعب «المانشو» على ولادة الطفل كلمة «لوكاو»، وهي كلمة تعني حرفياً «السقوط على القش»، في إشارة واضحة إلى نمط حياتهم الريفي القديم القائم على الصيد والاعتماد على الطبيعة، ففي الماضي، كانت النساء الحوامل يقمن بلفّ الفراش فوق سرير تقليدي مُدفأ ومبني من الطوب، ثم يفرش القش مباشرة على سطحه لتتم الولادة فوقه، وهو ما منح هذه التسمية دلالتها الرمزية. وكانت ولادة الطفل تُعدّ مناسبة عائلية كبيرة تحظى باهتمام خاص، حيث تفرض على المرأة الحامل مجموعة من المحظورات والعادات الصارمة، فعلى سبيل المثال لم يكن مسموحاً لها بالجلوس أمام الموقد أو عتبة النافذة أو حجر الرحى، كما كانت تُمنع من حضور حفلات زفاف الآخرين، وكذلك كانت تتلقى نصائح متكررة بالامتناع عن تناول لحوم الأرانب، استناداً إلى اعتقاد شائع بأن ذلك قد يؤدي إلى ولادة طفل مصاب بشفة مشقوقة. وعند ولادة صبي، كانت العائلة تقوم بتعليق قوس وسهمين خشبيين يُعرفان باسم «سهم الابن» قرب باب المنزل، ولم يكن لهذا القوس وظيفة قتالية حقيقية، بل كان رمزاً ذا دلالة معنوية، حيث يصنع القوس من أغصان منحنية، وتلف ثلاثة أسهم بقطعة قماش حمراء، تعبيراً عن الأمل في أن ينشأ الطفل ليصبح فارساً شجاعاً ورامياً ماهراً، بما ينسجم مع قيم الشجاعة والمهارة المرتبطة بتاريخ «المانشو». ومع مرور الزمن، تطورت دلالة اللون الأحمر، فأصبح علامة تقليدية لغرفة الولادة، وكان من الشائع عدم السماح لأي شخص بدخول هذه الغرفة أثناء عملية الولادة، انطلاقاً من اعتقاد قديم بأن الغرباء قد يتسببون في سرقة حليب الأم، وهو ما يعكس مزيجاً من الخوف الشعبي، والحرص على سلامة المولود والأم. ومن بين العادات المميزة الأخرى لدى شعب «المانشو»، تبرز عادة «كايشنغ»، أو ما يُعرف بـاختيار «مختار الولادة»، ويُقصد بهذا المصطلح أول شخص غريب تقع عليه عينا المولود الجديد بعد خروجه من غرفة الولادة، ووفق المعتقدات التقليدية يعتقد أن شخصية هذا الشخص يمكن أن يكون لها تأثير عميق في مستقبل الطفل وحياته، لذلك كانت العائلات تولي أهمية كبيرة لاختيار شخص معروف بحسن الخلق واللطف في التعامل، على أمل أن يكتسب الطفل بعضاً من صفاته الإيجابية، وكان الآباء يعاملون هذا الشخص باحترام بالغ وكرم واضح، وفي كثير من الأحيان كان ينظر إليه بوصفه عراباً للطفل، حيث يتولى دعمه ورعايته والإسهام في ضمان تنشئته السليمة والآمنة. وعلى الرغم من التغيرات الاجتماعية الحديثة، لاتزال بعض هذه التقاليد حاضرة حتى اليوم في أجزاء من منطقة شينجيانغ شمال الصين، إضافة إلى مناطق أخرى، شاهدة على عمق التراث الثقافي لشعب المانشو، وحرصه على الحفاظ على هويته عبر الأجيال. عن «ساوث تشاينا مورنينغ بوست» تابعوا آخر أخبارنا المحلية والرياضية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news Share فيسبوك تويتر لينكدين Pin Interest Whats App