تابع قناة عكاظ على الواتساب لم تكن السعودية في زمانٍ مضى تردُّ على مَنْ يتناوشونها. وفي وقتنا الحالي لم يعد الصمت مجدياً؛ ما تطلّب منهجيةً أكثر حزماً وصرامةً؛ خصوصاً بعدما أصبح البعض -ومنهم من أقرب الأقربين - يوظّفون «قوتهم الخشنة والناعمة» للطعن في الظهر. بيد أن المملكة ظلت تتعامل -حتى في حال اضطرارها إلى الردِّ على تلك الإساءات، والافتراءات- بعدم التصعيد والتثبيط. فلا هي تبذَّلتْ، ولا هي أفحشت في القول بما يوازي حجم ما يتكشّف من الدسائس والمؤامرات. ولعلَّ الرسالة السعودية الأخيرة الموجّهة للمجلس الانتقالي الجنوبي كانت واضحةً: لن تتوقف المملكة عن القيام بدورها الذي تعتبره مهمتها تجاه حماية شعبها، وأشقائها، إذ حاولوا هذه المرة ضرب السعودية في مقتل مما خالوه «كعب أخيل»، الذي لن تنهض منه لو ضربت فيه، (اليمن). وصُعقوا حين تكشّف لهم أن السعودية لن تسكت، ولن تصمت على محاولات التجريب أو التخريب. ليس لأنها تدافع عن «مناطق نفوذ» كما يزعمون، بل لأنها تدافع عن مصالح حيوية مهمة، هدفها الأول والأخير صدّ التهديدات، ودرء المخاطر، وسدّ الثغرات التي قد تنفذ منها مُزعزعات للأمن والاستقرار. تفعل ذلك كله وهي بريئة من الهوس بالأيديولوجيا، والتنطُّعات القومية؛ ولذلك لم تُنكر أية جهة دولية ذات وزن ما قامت به المملكة في حضرموت والمهرة وعدن. لقد ظلّت علاقة المملكة باليمن محكومةً بجغرافيا واقعية لا يمكن تحريكها، أو تقطيع أوصالها؛ ولهذا دأبت على معالجة العقبات التي تطرأ على تلك الجغرافيا، من دون تدخُّلٍ في شؤون الدول الأخرى، ومن دون سعيها وراء مكاسب حدودية، أو ما بعد الحدودية. فهي ليست بحاجة إلى توسّع إقليمي، بما تملك من أراضٍ شاسعةٍ، وأقاليم متنوعةٍ، وشعبٍ أصيلٍ لا يعرف الانكسار. ما حدث في اليمن أخيراً، لا يمكن التعامل معه باعتباره شأناً يمنيّاً داخليّاً؛ إذ إن مَنْ يقفون وراءه اختاروا «الجغرافيا الخطأ» لتهديد أمن واستقرار المملكة، وسيادتها على ترابها الوطني، عبر حدودٍ ملاصقةٍ تمتدُّ آلاف الكيلومترات. وكان الحل الذي توافق عليه الأشقاء اليمنيون، بمَنْ فيهم قيادة المجلس الانتقالي الجنوبي، أن يلتئم في الرياض مؤتمر وطني لتقرير مصير الجنوب اليمني، بما لا يضير المعركة الطويلة لاسترداد الشرعية اليمنية. وفي الساعة المحددة للحضور إلى الرياض قرّر رئيس المجلس عيدروس الزبيدي الهروب من عدن، والتخلّف عن الرهانات العاقلة. قام بذلك وهو مَنْ أعلن بنفسه في عدن أنه يقدّر حرص السعودية على تشجيع اليمنيين -من الشمال والجنوب- على وضع خريطة طريق خالية من الألغام والمخاطر لتلبية تطلعات الجنوب. مَنْ يظنون أن استهداف السعودية بهذه الطريقة سيؤدي إلى تفكيك التحالف لدعم الشرعية في اليمن خاطئون، بل هم سُذَّج لا يعرفون شيئاً عن قدرات السعودية، وإمكاناتها، وتحالفاتها الإقليمية والدولية. وأظنهم لا يعرفون أيضاً القدرات الكبيرة حقّاً لقوتها الناعمة وكذلك الخشنة. ويعلم الداني والقاصي أن سياسة المملكة، بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وولي العهد الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، ترتكز على أن تكون المملكة والمنطقة خاليتين من النزاعات، والخلافات، والتشاحن، والبغضاء، بل ذهبت إلى سياسة «تصفير المشاكل»، بما يتيح الازدهار الاقتصادي والتنمية التي تنشدها لها ولدول المنطقة. ولذلك نشطت الدبلوماسية السعودية؛ لضمان أمن واستقرار سورية، ولبنان، ووقف حربَيْ السودان واليمن. الأكيد أن الأزمة في جنوب اليمن مُتجهة إلى حلول مُرضية بعد حلِّ «المجلس الانتقالي»، وبدء الحوار «الجنوبي» من خلال تغليب «الحكمة اليمانية» واستجابة أبنائه لنداء العقل، والأمن، وترجيح مصالح الشعب اليمني، من دون تشبّث بمصالح شخصية، وأجندات خارجية، فالمملكة ليست طامعةً في موارد أية دولة أخرى؛ إذ يكفيها ما وهبها الله من خيرات ومكاسب وعلاقات تمتدّ عبر العالم من أدناه إلى أقصاه. وكلمة السرّ بوضوح، وتأكيداً للجغرافيا: تهديد أمن المملكة خطٌ أحمر سيتم التصدي له بحزم صارم.