عزرا نِينكو* في أكتوبر 2016، وقّعت تنزانيا اتفاقية مع مؤسسة الطاقة الذرية الروسية الحكومية (روساتوم) لبناء مفاعل أبحاث نووي، في خطوة تهدف إلى تطوير قطاع الطاقة النووية في البلاد. وفي يوليو 2025، تم إطلاق منشأة تجريبية لمعالجة اليورانيوم، في حدث عكس الأهمية الاستراتيجية للمشروع، حيث حضرت رئيسة البلاد الدكتورة سامية صلوحو حسن مراسم الافتتاح بنفسها.ويُعرف هذا المشروع باسم «مشروع يورانيوم نهر مكوجو»، ويقع عند مكمن «نيُوتا» في جنوب تنزانيا ضمن محمية سيلوس للحياة البرية، وتديره شركة «مانترا تنزانيا المحدودة» التابعة ل «روساتوم». ويهدف المشروع إلى إنتاج 3 آلاف طن من اليورانيوم سنوياً، ما سيجعل تنزانيا ثاني أكبر منتج لليورانيوم في إفريقيا بعد ناميبيا التي تنتج 7,333 طناً سنوياً.وترى تنزانيا في هذا المشروع أداة لتوفير حلول طاقة نظيفة، وفتح آفاق جديدة للاستثمار الأجنبي في قطاعي الطاقة والصناعة، إضافة إلى تعزيز خبراتها التقنية في مجال الطاقة النووية.وبحسب الرابطة العالمية للطاقة النووية، تمتلك تنزانيا 1% من الاحتياطي العالمي لليورانيوم، بما يعادل نحو 57,700 طن، ما يجعلها عاشر أكبر مساهم عالمي وخامس أكبر دولة إفريقية من حيث الاحتياطي. ويُقدَّر حجم الاستثمارات في مشروع «مكوجو» بنحو 1.2 مليار دولار لأغراض الاستخراج والتطوير، على أن تحصل الحكومة التنزانية على 20% من الأرباح السنوية المتوقعة والتي تُقدَّر بنحو 4 ملايين دولار.ومن المقرر أن يبدأ بناء المحطة الرئيسية في الربع الأول من عام 2026، على أن تدخل حيز التشغيل في عام 2029. كما تخطط الحكومة لبناء مفاعلات نووية صغيرة بقدرة تتراوح بين 600 و1000 ميغاواط لربطها مباشرة بالشبكة الوطنية، التي تصل قدرتها الحالية إلى ما بين 2,842 و3,092 ميغاواط. ويتوقع أن يوفر المشروع نحو 4 آلاف وظيفة مباشرة، إضافة إلى 100 ألف فرصة عمل غير مباشرة في قطاعات البنية التحتية والخدمات اللوجستية والصناعات المساندة.وتضع رؤية تنزانيا 2050 قطاع الطاقة في صلب التحول الاقتصادي، والتنمية الاجتماعية، والتصنيع، والنمو الرقمي، وتعزيز التنافسية الوطنية، مع التأكيد على توفير طاقة ميسورة ونظيفة وموثوقة ومستدامة للأسر والصناعات والخدمات العامة والاستثمارات الاستراتيجية. كما تستهدف الرؤية تحقيق تغطية كهربائية كاملة بنسبة 100% للمناطق الحضرية والريفية، وتعزيز الربط الكهربائي مع تجمعات الطاقة في شرق وجنوب إفريقيا.وخلال الحملة الانتخابية الرئاسية لعام 2025، تعهّدت الرئيسة سامية صلوحو حسن برفع القدرة الإنتاجية للكهرباء إلى 8 آلاف ميغاواط بحلول عام 2030 عبر مزيج من مصادر الطاقة التقليدية والمتجددة.وبحسب مجموعة الأمم المتحدة للتنمية المستدامة، يعاني نحو 600 مليون شخص في إفريقيا نقصاً في الوصول الموثوق إلى الكهرباء، ما يمثل 80% من فجوة الكهرباء العالمية. ومن بين الدول التي تعاني ضعف الوصول للكهرباء دولٌ تمتلك احتياطات كبيرة من اليورانيوم، مثل تنزانيا وأوغندا والنيجر وتشاد وجمهورية الكونغو الديمقراطية وأنغولا.وتسهم الطاقة النووية حالياً بنحو 9% من إنتاج الكهرباء العالمي وفقاً للرابطة العالمية للطاقة النووية. وتبقى جنوب إفريقيا الدولة الوحيدة في القارة التي تنتج كهرباء نووية، حيث تمثل نحو 5% من إجمالي إنتاجها الكهربائي.وتنتج المفاعلات النووية في محطة «كوبرغ» بجنوب إفريقيا نحو 8.5 تيراواط/ساعة، وهو رقم يقارب إجمالي إنتاج تنزانيا من مختلف مصادر الطاقة مجتمعة.ووفق تقرير الوكالة الدولية للطاقة الذرية بشأن آفاق الطاقة حتى عام 2050، من المتوقع أن يرتفع استهلاك الطاقة في إفريقيا بنحو 60% بحلول 2050، بمعدل نمو سنوي يبلغ 1.7%.كما يُتوقع أن يتضاعف إنتاج الكهرباء من الطاقة النووية أكثر من ثلاث مرات بحلول 2030، وأن يزيد بأكثر من عشرة أضعاف بحلول 2050 مقارنة بمستويات 2023.وتشير المؤشرات إلى أن رياحاً نووية جديدة تهبّ على القارة الإفريقية، حيث تسعى دول مثل تنزانيا وغانا وأوغندا والمغرب وكينيا والجزائر وتونس وبوتسوانا إلى دخول مجال الطاقة النووية. وتدير غانا والجزائر والمغرب بالفعل مفاعلات بحثية، بينما أعربت مالي والسودان عن طموحاتهما النووية من خلال توقيع اتفاقيات مع الصين وروسيا. * خبير في الجغرافيا السياسية والسياسة الدولية (موديرن دبلوماسي)