د. محمد الصياد*
لم يُكمل شهر يناير من السنة الجديدة 2026، أسبوعه الأول حتى دفع بالنفط والصناعة النفطية، إنتاجاً وشحناً بحرياً، لاحتلال صدر عناوين الأخبار في العالم. في أيامه الثلاثة الأولى فوجئ العالم بعملية اختطاف أمريكا لرئيس فنزويلا نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس، وتهديد الحكومة الفنزويلية بالمصير نفسه إن لم توافق على تمكين واشنطن من وضع يدها على احتياطيات النفط الفنزويلية المناسبة لعشرات مصافي النفط الأمريكية المتوزعة على طول ساحل خليج المكسيك، تحديداً في ولايتي تكساس ولويزيانا، تشكل حوالي 45% من إجمالي طاقة التكرير الأمريكية، حيث تستفيد من قربها من حقول النفط البحرية، والموانئ لسهولة الاستيراد والتصدير، والبنية التحتية النفطية الضخمة.
وفي السادس من يناير 2026، قامت الولايات المتحدة باختطاف ناقلة نفط صينية ترفع علم بنما، بهدف منع تجارة النفط مع الدول التي فرضت عليها واشنطن عقوبات. وفي اليوم التالي، صعدت قوات خفر السواحل وقوات العمليات الخاصة التابعة للجيش الأمريكي على متن ناقلتي نفط في المحيط الأطلسي، إحداهما ترفع العلم الروسي، تحمل اسم «مارينيرا».
كانت الولايات المتحدة، بأمر من الرئيس ترامب، قد فرضت منتصف شهر ديسمبر 2025، حصاراً بحرياً كاملاً وشاملاً على جميع ناقلات النفط التي تدخل فنزويلا أو تغادرها.
لكن قطاع الأعمال المعتاد على المجازفة والمخاطرة التي ترفع العائد على الاستثمار (اعتباراً بموضوعية – وليس ذاتية – العلاقات الاقتصادية الدولية)، لم يمتثل تماماً لهذا الحصار الذي هو في حقيقة الأمر، حصار لحركة رأس المال، فكان أن تم في الشهر ذاته تحميل 12 ناقلة نفط بحمولة إجمالية بلغت 12 مليون برميل من النفط الخام الفنزويلي. وغادرت هذه السفن المياه الفنزويلية في أوائل يناير وشقت طريقها إلى الصين، بعد أن فعّلت ما يسمى «الوضع المظلم»، الذي يسمح للناقلات بإغلاق أجهزة الإرسال والاستقبال، كسراً للحصار الأمريكي.
يوم الجمعة 9 يناير 2026، اجتمع الرئيس الأمريكي على عجل في البيت الأبيض مع المسؤولين التنفيذيين لشركات النفط الأمريكية، وقال لهم: «الآن بإمكان الصين شراء النفط الفنزويلي عن طريقنا وبالأسعار والشروط التي نحددها». نتيجة الاجتماع لم تكن حاسمة، كما ابتغاها الرئيس ترامب الذي بدأ حديثه أولاً بطمأنة أكثر من اثني عشر مسؤولاً تنفيذياً في كبريات شركات النفط الأمريكية، من بينهم رؤساء شركات «شيفرون»، و«إكسون موبيل»، و«كونوكو فيليبس»، ب«الأمان التام» في فنزويلا، في محاولة لإقناعهم باستثمار 100 مليار دولار في المنشآت النفطية الفنزويلية المتقادمة والمتهالكة نتيجة العقوبات، بعد أن نجحت القوات الأمريكية في القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو من السلطة وترحيله إلى أمريكا. وبعد أن وجد الرئيس ترامب الحضور مترددين، بسبب الكلفة الباهظة لهذا الاستثمار غير الآمن بعد، وبسبب ما ذكره الرئيس بأن الاستثمار سيأتي من شركات النفط، وليس من الحكومة الفيدرالية، بعد أن كان قد أشار في وقت سابق من الأسبوع إلى أن دافعي الضرائب الأمريكيين قد يمولون هذه الاستثمارات – بعد أن لمس ترددهم، خاطبهم بالقول «إذا لم تكن لديكم رغبة في إعادة بناء الصناعة النفطية الفنزويلية، فلديّ 25 شخصاً غير موجودين هنا اليوم مستعدون لشغل مناصبكم».
كان الرئيسان التنفيذيان لشركتي «إكسون موبيل» و«كونوكو فيليبس» قد وجها كلامهما للرئيس دونالد ترامب بأن فنزويلا بحاجة إلى تغييرات جذرية لجذب الاستثمارات. بينما كان دارين وودز، الرئيس التنفيذي لشركة «إكسون»، أكثر صراحةً حين قال بأن فنزويلا «غير قابلة للاستثمار» في وضعها الراهن. وكذلك فعل رايان لانس، الرئيس التنفيذي لشركة «كونوكو فيليبس»، الذي قال بأن نظام الطاقة في فنزويلا بحاجة إلى إعادة هيكلة.
وحدها شركة «شيفرون»، وهي الشركة الأمريكية الوحيدة التي بقيت تعمل في فنزويلا على مدار العشرين سنة الماضية، بترخيص من مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC) التابع لوزارة الخزانة الأمريكية التي تدير نظام العقوبات الأمريكية حول العالم، أعطت رداً صريحاً ومشجعاً للرئيس الذي يريد استعادة إنتاج فنزويلا من النفط في غضون 18 شهراً، أي رفعه من مستواه الحالي البالغ حوالي مليون برميل إلى ثلاثة ملايين برميل في اليوم.
فالشركة ما زالت تعمل بالشراكة مع شركة النفط الحكومية الفنزويلية «بتروليوس دي فنزويلا» (PDVSA)، حيث تمتلك شيفرون حصصاً إنتاجية تتراوح ما بين 30 و40% في عدد من مشاريع الإنتاج البرية والبحرية، بما في ذلك مشاريع بتروبوسكان، وبتروبيار، ولوران للغاز، المنتجة للنفط الخام الثقيل.
أما شركتا إكسون موبيل وكونوكو فيليبس اللتان كانتا تعملان في حقول النفط الفنزويلية وغادرتاها قبل 20 سنة، فكانت استجابتهما مشروطة بتوافر «تغييرات جوهرية في البيئة القانونية والتجارية، لأن الوضع الحالي غير قابل للاستثمار»، بحسب تعبير دارين وودز الرئيس التنفيذي لشركة «إكسون».
الموضوع برمته، أقصد استثمار احتياطيات النفط الفنزويلية، فُتح للتو، وأمامه شوط طويل سيتعين قطعه، قبل تقرير نهايته وطبيعتها. وإلى حين حدوث ذلك، سيكون النفط على صفيح ساخن.
* خبير بحريني في العلاقات الاقتصادية الدولية
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة صحيفة الخليج ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من صحيفة الخليج ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
