لا يحتاج المستقبل لأكثر من أذنٍ صاغية ومكالمة هاتفية لم يقطعها اليأس.خلف الأبواب الموصدة للبيت الأبيض، حيث تُصنع القرارات الكبرى، بدأت قصة لم تكتبها مراكز القوى، بل صاغها طفل مهاجر يبلغ من العمر أحد عشر عاماً، لا يملك من اللغة إلا القليل، لكنه يملك من الإصرار ما يكفي لإجبار التاريخ على الوقوف لثماني دقائق.. دقائق امتدت لثلاثين عاماً من الوفاء.بدأت الحكاية بطلبٍ جريء من طفل، وانتهت بدرسٍ بليغ في الوفاء بعد ثلاثة عقود، هي قصة كيفن نازيمي، المهاجر الإيراني الصغير الذي لم تمنعه حداثة عهده باللغة الإنجليزية ولا صغر سنه من أن يحلم بمقابلة رئيس الولايات المتحدة آنذاك، بيل كلينتون.في ولاية ميسوري، وضمن مشروع مدرسي لتقرير إخباري، قرر كيفن نازيمي أن ضيفه لن يكون سوى سيد البيت الأبيض، ولم يثنه عن هذا القرار الشجاع كتاب التلوين الذي أرسله له موظفو الرئاسة، كدبلوماسية معتادة للرد على الصغار، بل بدأ معركة الإصرار باتصالات هاتفية يومية. وهناك، في أروقة السلطة، استقر صوته الآمر والواثق في أذن ديف أندرسون، الموظف المبتدئ آنذاك، الذي ذُهل من طفل لا يطلب الإذن، بل يسأل بجدية: «متى سأقابل الرئيس؟».أثمرت هذه المثابرة عن لحظة تاريخية في عام 1994، حيث وافق بيل كلينتون على اللقاء. وعلى الرغم من أن كيفن نازيمي كان في أمريكا منذ أقل من عامين، ولا يزال يصارع لتعلم الإنجليزية، فإنه أعد أسئلة عميقة دفعت الرئيس للتساؤل بدهشة: «من ساعدك في كتابة هذا؟»، ليجيبه الصغير بثقة: «لقد كتبتها بنفسي بعد قراءة الصحف». من 8 دقائق إلى 30 أُعجب بيل كلينتون بذكاء الطفل وقرر شخصياً تمديد المقابلة من 8 دقائق إلى نصف ساعة، طالباً من حرس الرئاسة الانتظار لأنه رأى في هذا الصغير «شيئاً مهماً يجب أن يُقال».هذا اللقاء غرس في كيفن نازيمي إيماناً مطلقاً بأن «المستحيل مجرد كلمة»، وانطلق بفضله في مسار أكاديمي ومهني مبهر، فتخرج من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، وهارفرد، وأسس أربع شركات ناشئة ناجحة في وادي السيليكون، محققاً النسخة المثالية من «الحلم الأمريكي».وبقي كيفن نازيمي ممتناً لتلك المكالمات اليومية، مؤكداً أنها هي التي علمته فلسفة المبيعات وألا يقبل بكلمة «لا» كإجابة نهائية.لكن ذروة التأثر في هذه القصة لم تكن في النجاح المادي، بل في الوفاء النادر، فبعد 30 عاماً، تلقى ديف أندرسون رسالة مفاجئة من كيفن نازيمي يخبره فيها بأنه أنشأ صناديق ادخار تعليمية لولديه «نوح ومادي» تغطي تكاليف دراستهما في أرقى الجامعات بالكامل.بكى ديف أندرسون تأثراً، ليس بسبب المال، بل لإدراكه أن فعلاً بسيطاً قام به قبل عقود ترك أثراً لا يمحى في قلب إنسان.ومؤخراً، اكتملت الدائرة بلقاء ثلاثي جمع كيفن نازيمي وديف أندرسون بالرئيس بيل كلينتون، الذي لم ينس صحفيّه الصغير. ودمجت لقطات المقابلة القديمة بجودتها المهتزة مع اللقاء الجديد في فيديو انتشر عالمياً، ليؤكد أن كرم الفرصة لا يضيع سدى، وأن صانع المعروف لا يُنسى، خاصة حين يبدأ الأمر بطلب جريء من طفل لم ييأس أبداً.