كشفت دراسة حديثة أن العلاقة بين التدخين والاكتئاب لم تعد محصورة في الأضرار الجسدية المعروفة، بل امتدت إلى تفاعلات معقدة داخل الدماغ، جعلت من الحزن محفزاً مركزياً لتعميق الاعتماد على النيكوتين. وأظهر التقرير أن النيكوتين لم يعد مجرد مادة إدمانية، بل أداة نفسية يلجأ إليها المدخنون لتسكين المشاعر السلبية، ما يفتح باباً جديداً لفهم أسباب فشل كثيرين في الإقلاع عن التدخين رغم إدراكهم مخاطره الصحية، بحسب جامعة هارفارد. النيكوتين ومراكز المكافأة في الدماغ أوضحت الدراسة أن مادة النيكوتين، المكون النشط في السجائر، تعمل بجرعات منخفضة على تنشيط الجهاز العصبي المركزي، ما قد يؤدي إلى زيادة اليقظة والانتباه لدى المدخنين. وعند وصول النيكوتين إلى النظام الحوفي المسؤول عن مراكز اللذة والمكافأة في الدماغ، يحفز إفراز هرمون الدوبامين، مانحاً المدخن شعوراً مؤقتاً بالبهجة والارتياح. وأشار الباحثون إلى أن هذا التفاعل الكيميائي هو سبب لجوء المدخنين إلى السجائر كوسيلة سريعة لتحسين المزاج، حيث يشعرون بالرضا الناتج عن التأثير الفسيولوجي المباشر للمادة. الحزن سبب خفي للتدخين أثبتت أبحاث فريق جامعة هارفارد أن مشاعر الحزن تدفع المدخنين تحديداً إلى زيادة استهلاك السجائر، عبر استنشاق الدخان لفترات أطول وبشكل أعمق. وأكدت الدراسة أن الحزن يتفوق على باقي المشاعر السلبية في قدرته على تحفيز الرغبة في التدخين، ليصبح سبباً مباشراً للسلوك الإدماني وليس مجرد عامل مصاحب له. وأشار الباحثون إلى اعتبار المدخنون للسجائر بمثابة حل عملي لمواجهة الحزن، حيث يعتمدون مع الوقت على استخدام النيكوتين لتخفيف الألم العاطفي بشكل مؤقت. تعطيل الاستجابات العاطفية الطبيعية اعتبر الباحثون أن الحزن عاطفة تكيفية أساسية تساعد الإنسان على التركيز الداخلي وحل المشكلات، كما تسهم مظاهره الفسيولوجية في استدرار التعاطف والدعم الاجتماعي. وحذروا من أن الاعتماد المستمر على النيكوتين لتخدير هذا الشعور يؤدي إلى فقدان تلك الفوائد، كما يضعف الاستجابات الترميمية الطبيعية للجسم تجاه الأزمات النفسية على المدى الطويل. وشبه العلماء هذا التأثير بما يحدث عند استخدام المؤثرات الأفيونية لعلاج الآلام المزمنة، حيث ينتهى الأمر بزيادة الحساسية للألم وتعميق الارتباط بين التدخين والاضطرابات النفسية مثل الاكتئاب. المراهقون والتدخين.. الأكثر تضرراً ذكرت الدراسة أن المراهقين يمرون بمرحلة حساسة من النضج العاطفي، تتميز بحدة المشاعر واعتماد كبير على الخبرات المتراكمة لتعلم إدارة الانفعالات. وأضافوا أن استخدام النيكوتين لتخفيف الحزن لدى هذه الفئة، يثير مخاوف جدية من تعطيل عملية النضج العاطفي، ما يجعلهم أكثر عرضة للاكتئاب أو تعاطي مواد أخرى مستقبلاً. وأظهرت البيانات ارتباطاً وثيقاً بين التدخين المبكر وزيادة مخاطر تعاطي الماريجوانا والكحول، خصوصاً أن غالبية المدخنين يبدأون هذه العادة خلال سنوات المراهقة. عودة التدخين في ثوب جديد ساهم انتشار السجائر الإلكترونية وأجهزة «الفيب» في عودة الارتفاع التدريجي في الاستهلاك، بعد عقود من تراجع معدلات التدخين بين طلاب المدارس الثانوية والبالغين. وشددت الدراسة على وضع هذا النتائج لتحد جديد أمام المجتمع الصحي، مؤكدة أن فهم التأثيرات النفسية للنيكوتين لا يزال يتطور رغم المعرفة الطويلة بأضراره الجسدية. ونوه الباحثون إلى أن استخدام النيكوتين كآلية دفاعية عاطفية قد يقود إلى عواقب نفسية وصحية خطرة، تتجاوز ما كان معروفاً عن التدخين في السابق.