في سن 16 و17 و18 عاماً، كان آدي باتلا يتخيل حياته في الفضاء. ثلاث سنوات متتالية، فاز بمسابقة ناسا الدولية لتصميم مستوطنات الفضاء، وهي مسابقة تطلب من المشاركين تصميم تصورات تفصيلية لموائل فضائية ضخمة تعكس رؤية للمستقبل بعد 50 إلى 100 عام. في كل مرة، كان باتلا يقدّم ما يصل إلى 100 صفحة من الوثائق التقنية المفصلة. يقول باتلا في مقابلة مع مجلة "انتربرونور": "كان الأمر أشبه بكتابة أطروحة كاملة". علّمته تلك المشاريع المبكرة التفكير بمنهج الأنظمة المتكاملة: الجاذبية، أنظمة دعم الحياة، الاقتصاد، التركيبة السكانية، الترفيه، والمستشفيات، جميعها مترابطة ضمن رؤية واحدة متماسكة للمستقبل. هذه القدرة على جمع معلومات تقنية معقدة وصياغتها في إطار عملي أصبحت لاحقاً الأساس الذي قامت عليه شركته "ريف" ( Revv)، التي حققت مليون دولار إيرادات خلال ستة أشهر فقط من إطلاقها. لحظة الإلهام بعد نجاحه في المرحلة الثانوية، حصل باتلا على منحة كاملة للدراسة الجامعية في جامعة براون. عن تلك المرحل: يقول باتلا "كنت لا أزال بعقلية الباني. كنت مفتوناً بهندسة الطيران والفضاء، وأردت أن أصبح مهندساً، لكنني سرعان ما أدركت أنني سأبلغ الأربعين قبل أن تتاح لي فرصة بناء صاروخ فعلي". بدلاً من ذلك، انتقل إلى دراسة علوم الحاسوب، حيث عمل على تطوير أدوات واقع افتراضي للرياضيين، وأنشأ منصات رقمية لدعم الطلاب المحرومين من الموارد. وبعد تخرجه، التحق بشركات ناشئة سريعة النمو، مثل منصة التجارة الإلكترونية "جيت" Jet.com، وشركة توصيل البقالة "ميسفيتس ماركت" Misfits Market. في "جيت"، عمل ضمن فريق مسؤول عن اكتشاف فرص المنتجات في التجارة الإلكترونية. ويستعيد تلك التجربة قائلاً: "تعلمت بشكل مباشر كيف تُبنى المنتجات من الصفر، وكيف تُصنع ثقافة قوية داخل الشركة". أما في "ميسفيتس ماركت"، فقد استوعب دروساً عميقة في التنفيذ القائم على الرسالة من المؤسس والرئيس التنفيذي آبي راميش. قفزة بلا شبكة أمان بحلول عام 2022، وصل باتلا إلى ما وصفه بـ"نقطة الانكسار". كان يحلم بتأسيس شركته الخاصة منذ أن بلغ 16 عاماً، وشعر بأنه استنفد كل الأعذار التي كانت تمنعه من الإقدام على هذه الخطوة. ترك وظيفته المستقرة في "ميسفيتس ماركت"، متخلياً عن مكافأة متوقعة تتراوح بين 20 و30 ألف دولار، ومتقبلاً فكرة العيش على مدخراته لأشهر، مع تحمّل مخاطر حقيقية. يقول: "لا يمكنك أن تضع قدماً في الوظيفة وقدماً أخرى في المشروع. هذا لا ينجح". لكن طريقته في تقليل المخاطر كانت غير تقليدية تماماً. النوم في ورش تصليح السيارات ينحدر باتلا من عائلة تدير شركة وطنية لتوزيع قطع غيار السيارات، فاختار القطاع أولاً، وقرر البحث عن الفكرة داخله لاحقاً. ويوضح "لم أبدأ بفكرة جاهزة. اخترت صناعة السيارات بسبب الروابط العائلية، وبدأت حرفياً أنام في ورش التصليح". كان يوزع بطاقته التعريفية على تجار السيارات المستعملة، وورش الميكانيكا، ومراكز معايرة الأنظمة، وورش إصلاح الهياكل، مقدماً عرضاً بسيطاً: "إذا كان لديك أي مشكلة، تواصل معي وسأقدم لك حلاً". ثم جاء الاتصال الذي غيّر كل شيء. اتصل صديق بصاحب ورشة وهو في حالة هلع: بعد إصلاح سيارة، تعطّل نظام تغيير المسار تلقائياً، ما أدى إلى حادث، وأصبحت الورشة مهددة بدعوى قضائية. يقول باتلا: "كانت تلك لحظة الإضاءة. بدأت أسأل ورش تصليح الحوادث: كيف تتعاملون مع السيارات التي تزداد تعقيداً يوماً بعد يوم؟". وكان الجواب يتكرر دائماً: السيارات تحولت إلى "حواسيب على عجلات"، مليئة بالحساسات والكاميرات وأنظمة السلامة المعتمدة على البرمجيات، مثل الكبح التلقائي، والمساعدة على البقاء في المسار، ونظام تثبيت السرعة التفاعلي، في حين لا تمتلك معظم الورش المعرفة اللازمة لإصلاحها بالشكل الصحيح. أدرك باتلا أن الورش قادرة على إصلاح الصدمات الخارجية، لكنها تجهل ما يحدث خلف المصدّات من تقنيات معقدة. البحث عن طرق الإصلاح الصحيحة كان يتطلب التنقل بين وثائق مصنّعين متفرقة وأنظمة متعددة. هنا وُلدت فكرة ريف ببساطة، عندما تدخل سيارة مثل Audi A6 موديل 2021 إلى الورشة، تعمل تقنية رييف في الخلفية لتحدد خلال ثوانٍ: الأنظمة الموجودة في السيارة، والأجزاء المتأثرة، وسبب الخلل، وكيفية الإصلاح خطوة بخطوة مع توفير الوثائق الرسمية من المصنّعين اللازمة لشركات التأمين. يقول باتلا: يختصر اختراع "ريف" وقت البحث من ساعات إلى ثوانٍ، ويمنح الفنيين ومقدري الأضرار وكل من يعمل في الورشة معلومات عملية حول كيفية إصلاح أنظمة السلامة". ويصفه بأنه «طبقة ذكاء مركزية» تتكامل مع الأدوات والبرمجيات القديمة التي تستخدمها الورش بالفعل. ضغط نفسي لم يكن الطريق إلى السوق سهلاً. استثمر باتلا عشرات الآلاف من الدولارات من ماله الخاص، وعاش على مدخراته، بينما تخلى عن مكافأة مالية كبيرة. وكان الضغط النفسي هائلاً إلى درجة أنه نُقل إلى غرفة الطوارئ أكثر من مرة. يقول: "أثناء طرح المنتج في السوق، انتهى بي الأمر في الطوارئ مرتين. كانت ذراعي تتوقف عن الحركة، واتضح أن السبب هو التوتر الشديد" من الإطلاق إلى إيرادات بثمانية أرقام عندما أُطلقت "ريف" في يونيو 2023، كان عاماً كاملاً من التعايش مع السوق قد مهّد الطريق للنمو السريع. خلال ستة أشهر فقط، وصلت الإيرادات إلى مليون دولار، ثم واصلت الشركة النمو لتبلغ إيرادات من ثمانية أرقام، مع أكثر من 5 آلاف عميل، وحضور في آلاف المواقع عبر بلدين. الانتقال من البيع المباشر الذي يقوده المؤسس إلى نمو تقوده الفرق كان تحدياً جديداً. في البداية، اعتمد النمو على توصيات العملاء. لاحقاً، أنشأت الشركة فرقاً لتطوير الأعمال، والتسويق، وإدارة الحسابات، وخدمة الإعداد السريع للعملاء. يقول باتلا: "التوسع كان صعباً بقدر صعوبة بدء الشركة". اليوم، تضم ريف فريقاً من 16 موظفاً. دروس لرواد الأعمال يعترف باتلا بأنه في البداية حاول القيام بكل شيء بنفسه، ثم أدرك ضرورة التراجع وإفساح المجال للخبراء في المبيعات والهندسة وتطوير المنتجات. يقول: "الأمر يشبه تسليم طفلك للمربية للمرة الأولى. لكنه ضروري. يجب أن توظف أشخاصاً أفضل منك، فهذا أمر حاسم لنجاح أي شركة". ونصيحته لرواد الأعمال في المراحل المبكرة واضحة وصريحة: لا تنتظر الفكرة أو المنتج المثالي. "لا تجعل الكمال عدواً للإنجاز. ابحث عن مشكلة ملحّة، لكن الأهم هو أن تقفز، وتمنح الرحلة 100% من طاقتك". ويضيف: كن متواضعًا، وأحط نفسك بأشخاص أذكى منك. الرحلة وحيدة، والمخاطر عالية. أفضل المؤسسين هم أسرعهم تعلّماً، وأقلهم غروراً، والأكثر استعداداً للاستماع للنصيحة". المصدر: "انتربرونور"