المدن الذكية.. منظومات حياة أساسها البنى التحتية
في عالم يشهد توسعاً حضرياً غير مسبوق وتحولات سكانية متسارعة، أصبحت المدن في قلب التحديات التنموية العالمية، إذ لم تعد مجرد مساحات عمرانية، بل تحولت إلى منظومات متكاملة تؤثر في الاقتصاد والهوية وجودة الحياة والاستقرار الاجتماعي.
في هذا السياق برزت دولة الإمارات العربية المتحدة كنموذج متقدم في استشراف مستقبل المدن، عبر تبني رؤية حضرية شاملة توازن بين النمو السكاني والتنوع الديموغرافي والاستدامة البيئية وتضع الإنسان في صميم التخطيط العمراني وصنع القرار الحضري.
يبرز محور مستقبل المدن والتحولات السكانية كأحد المحاور الرئيسية التي تناقشها القمة العالمية للحكومات 2026، إدراكاً للدور الذي تلعبه في تشكيل مستقبل الاقتصادات والمجتمعات، وتأتي تجربة دولة الإمارات بوصفها نموذجاً عملياً يعكس قدرة الحكومات على التعامل مع التوسع الحضري والتغيرات الديموغرافية عبر سياسات مبتكرة، وتخطيط طويل المدى وحلول ذكية تضمن استدامة المدن وتدعم التماسك الاجتماعي والازدهار الاقتصادي.
نهج استباقي
اعتمدت دولة الإمارات نهجاً استباقياً في التخطيط الحضري، يقوم على قراءة دقيقة للاتجاهات السكانية والتغيرات الديموغرافية، واستشراف احتياجات الأجيال المقبلة، فمع النمو السكاني المتسارع وتنوع التركيبة السكانية، حرصت على تطوير مدن ومناطق عمرانية تراعي التوازن بين الكثافة السكانية وتوافر الخدمات والبنية التحتية والمساحات العامة، بما يضمن جودة الحياة واستدامة النمو الحضري في آن واحد.
ولم يقتصر التخطيط الحضري على التوسع العمراني الكمي، بل امتد ليشمل إعادة تصميم أنماط العيش والعمل وتطوير مجتمعات متكاملة تضم السكن والتعليم والرعاية الصحية ومراكز الأعمال، والمرافق الترفيهية ضمن منظومة واحدة، وأسهم هذا النهج في تقليل الضغط على البنية التحتية وتطوير كفاءة التنقل، ورفع مستوى الترابط الاجتماعي وخلق بيئات حضرية أكثر قدرة على التكيف مع التحولات الاقتصادية والاجتماعية المستقبلية.
رؤية حضارية
جعلت الدولة من المدن الذكية محوراً أساسياً في رؤيتها الحضرية، حيث جرى توظيف التقنيات الرقمية المتقدمة والذكاء الاصطناعي، وإنترنت الأشياء والبيانات الضخمة، من أجل تحسين الخدمات العامة ورفع كفاءة إدارة الموارد. ولم تعد التكنولوجيا في التجربة الإماراتية مجرد أداة تشغيلية بل أصبحت عنصراً بنيوياً في إعادة تعريف مفهوم المدينة الحديثة وجودة الحياة داخلها. وقد أسهم هذا التوجه في تطوير خدمات حكومية رقمية متكاملة وأنظمة نقل ذكية وبنية تحتية متقدمة ساعدت على تسهيل حياة السكان وترسيخ الاستدامة.
كما مكنت المدن الذكية من الاستجابة بشكل أسرع وأكثر دقة لاحتياجات السكان وتحسين إدارة الطاقة والمياه وتقليل الانبعاثات، بما يعكس فهماً متقدماً لدور التكنولوجيا في بناء مدن أكثر إنسانية ومرونة.
عناصر قوة
تتميز الإمارات بتركيبة سكانية متنوعة تشكل أحد أبرز عناصر قوتها الحضارية والاقتصادية، وقد تعاملت السياسات مع هذا التنوع بوصفه رافعة للتنمية لا تحدياً، وذلك من خلال تبني سياسات شمولية تدعم التعايش والتكامل بين مختلف فئات المجتمع.
وأسهمت المساحات العامة المفتوحة والمرافق الثقافية والمبادرات المجتمعية في تثبيت الروابط الاجتماعية وبناء شعور بالانتماء داخل المدن. وفي ظل التحولات السكانية، أولت الدولة اهتماماً خاصاً بتخطيط الخدمات الصحية والتعليمية والاجتماعية بما يتناسب مع احتياجات مختلف الفئات العمرية، من الأطفال والشباب إلى كبار السن.
كما جرى تطوير بيئات حضرية تراعي متطلبات الحياة العائلية والعمل والصحة النفسية بما يدعم استدامة المدن وقدرتها على الاستجابة لدورات الحياة المتغيرة للسكان.
مفاهيم الاستدامة
في مواجهة التحديات البيئية والمناخية، عملت دولة الإمارات على دمج مفاهيم الاستدامة في صميم التخطيط الحضري، من خلال تطوير مدن منخفضة الانبعاثات، واعتماد معايير البناء الأخضر، وترسيخ استخدام الطاقة المتجددة، وتوسيع المساحات الخضراء، ولم تعد الاستدامة خياراً مكملاً في التجربة الإماراتية، بل أصبحت عنصراً جوهرياً في تصميم المدن وقدرتها على الصمود.
كما أسهم الاستثمار في البنية التحتية المرنة وأنظمة إدارة المخاطر والتخطيط الحضري القائم على استشراف السيناريوهات المستقبلية، في ترسيخ جاهزية المدن الإماراتية للتعامل مع الأزمات والكوارث الطبيعية، وأتاح هذا النهج تحقيق توازن دقيق بين النمو الحضري المتسارع وحماية الموارد الطبيعية للأجيال القادمة.
نجاح التجربة
برزت الحوكمة الحضرية المتكاملة كأحد عوامل نجاح التجربة الإماراتية في إدارة المدن، فقد جرى دعم التنسيق بين المستويات الحكومية المختلفة، وربط التخطيط العمراني بالسياسات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، بما يضمن انسجام الرؤية وتنفيذها على أرض الواقع، وأسهم هذا التكامل في تسريع اتخاذ القرار، ورفع كفاءة إدارة المدن، وتعزيز ثقة المجتمع في السياسات الحضرية.
كما أتاح إشراك القطاع الخاص والمجتمع في تطوير المدن، خلق نماذج شراكة مبتكرة تسهم في تحسين الخدمات وتطوير المشاريع الحضرية وترسيخ الابتكار في الحلول العمرانية بما يجعل المدينة منظومة حية تتطور باستمرار وفق احتياجات سكانها.
محركات رئيسية
أصبحت المدن في دولة الإمارات محركات رئيسية للازدهار الاقتصادي والاجتماعي، حيث تجمع بين الابتكار وريادة الأعمال والثقافة ونمط الحياة العصري، وأسهمت المناطق الحضرية المتخصصة والمراكز الاقتصادية والمناطق الإبداعية في جذب الاستثمارات واستقطاب المواهب، ودعم مكانة الدولة كمركز حضري عالمي يتمتع بجاذبية عالية للعيش والعمل.
وفي هذا السياق، لم يعد مستقبل المدن مجرد امتداد للنمو العمراني، بل رؤية شاملة تهدف إلى بناء بيئات حضرية مستدامة ذكية وشاملة، قادرة على استيعاب التحولات السكانية وتحويلها إلى عناصر قوة تدعم التنمية الشاملة وجودة الحياة.
فهم عميق
تعكس تجربة دولة الإمارات في استشراف مستقبل المدن والتحولات السكانية فهماً عميقاً لطبيعة التحديات الحضرية المعاصرة، وقدرة على صياغة حلول مبتكرة توازن بين الإنسان والعمران، فحين تصمم المدن حول احتياجات الإنسان، وتدار بمرونة واستدامة، تتحول إلى منصات للابتكار والاستقرار والازدهار طويل الأمد.
وتواصل الدولة ترسيخ مكانتها كنموذج عالمي في بناء مدن المستقبل، مدن لا تكتفي بالاستجابة للتغيرات، بل تستبقها، وتحول التحولات السكانية إلى فرص لبناء مجتمعات أكثر تماسكاً واقتصادات أكثر حيوية وجودة حياة أعلى للأجيال القادمة.
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة صحيفة الخليج ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من صحيفة الخليج ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
