لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد مفهوم تقني مستقبلي أو أداة محصورة في مختبرات البحث العلمي وشركات التكنولوجيا العملاقة، بل بات اليوم في صلب عملية صنع القرار الحكومي وتقديم الخدمات العامة، ففي مختلف أنحاء العالم، تتجه الحكومات بوتيرة متسارعة إلى اعتماد تقنيات الذكاء الاصطناعي بوصفها رافعة أساسية لتحسين جودة الخدمات، وتسريع إنجازها ورفع كفاءتها، والاستجابة لتوقعات المواطنين المتزايدة.
يأتي هذا التحول في وقت تواجه فيه الدول ضغوطاً غير مسبوقة، تشمل النمو السكاني، والتحضر السريع، وشيخوخة المجتمعات، وتحديات التغير المناخي، وضيق الموارد المالية، فضلًا عن تراجع مستويات الثقة بين المواطنين والمؤسسات العامة، وفي هذا السياق، يبرز الذكاء الاصطناعي كأداة قادرة على إحداث نقلة نوعية في أسلوب إدارة الدولة وتفاعلها مع المجتمع.
تحليل البيانات
يعتمد الذكاء الاصطناعي على تحليل كميات هائلة من البيانات، واستخلاص الأنماط، والتنبؤ بالاتجاهات، وأتمتة عمليات معقدة بسرعة تفوق القدرات البشرية. بالنسبة للحكومات، يفتح ذلك الباب أمام الانتقال من إدارة تقليدية قائمة على ردّ الفعل، إلى حوكمة استباقية تعتمد على التوقع والتحليل والتخطيط الذكي.
تعاني الإدارات العامة في كثير من الدول البيروقراطية، وبطء الإجراءات، وتعدد الجهات، وتقادم الأنظمة. وغالباً ما يواجه المواطن طوابير طويلة، ونماذج ورقية، وتأخيراً في إنجاز المعاملات. هنا يأتي دور الذكاء الاصطناعي في تبسيط الإجراءات، وتقليل الأخطاء البشرية، وتسريع تقديم الخدمات، وتحسين تجربة المستخدم.
ولا يقتصر الأمر على الكفاءة التشغيلية، بل يمتد إلى تحسين السياسات العامة نفسها، فمن خلال تحليل البيانات في التوقيت المناسب، تستطيع الحكومات تقييم أثر سياساتها، وتعديلها بسرعة، وتوجيه الموارد إلى حيث تكون الحاجة أكبر، وفي زمن تتآكل فيه الثقة العامة، تصبح جودة الخدمات الحكومية عاملاً حاسماً في استعادة هذه الثقة وتعزيز الشرعية السياسية.
الخدمات العامة
تتوسع تطبيقات الذكاء الاصطناعي في القطاع الحكومي لتشمل مجالات حيوية متعددة، أبرزها الصحة والنقل والأمن العام والخدمات الاجتماعية وإدارة المدن.
في قطاع الصحة، يُستخدم الذكاء الاصطناعي لتحسين التشخيص الطبي، وإدارة المستشفيات، والتنبؤ بالأوبئة، تستطيع الخوارزميات تحليل الصور الطبية لاكتشاف السرطان في مراحله المبكرة، وتنظيم جداول المواعيد، وتوقع الضغط على المرافق الصحية. وخلال جائحة (كوفيد-19)، اعتمدت عدة دول على نماذج ذكاء اصطناعي لتتبع انتشار الفيروس وتوزيع الموارد الطبية بكفاءة.
أما في قطاع النقل، فيسهم الذكاء الاصطناعي في إدارة حركة المرور، وتحسين كفاءة النقل العام، وتعزيز السلامة على الطرق، ناهيك عن دوره في قيادة المركبات ذاتية الحركة وما لها من آثار إيجابية على البيئة، لقد باتت الإشارات الذكية تتكيف مع الازدحام اللحظي، وأنظمة الصيانة التنبؤية تحدد الأعطال قبل وقوعها، ما يقلل الحوادث والانبعاثات ويختصر زمن التنقل.
وفي مجال الأمن والسلامة العامة، تُستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي في تحسين الاستجابة للطوارئ، وتحليل أنماط الجريمة، وإدارة الكوارث الطبيعية، تساعد هذه الأدوات الجهات المعنية على توزيع الموارد بشكل أكثر فاعلية، والاستعداد المبكر للفيضانات أو الحرائق أو الزلازل.
أما الخدمات الاجتماعية، فيُعد الذكاء الاصطناعي أداة محورية لتحديد الفئات الأكثر هشاشة، والكشف عن الاحتيال، وضمان وصول الدعم إلى مستحقيه. فمن خلال تحليل البيانات الاجتماعية، يمكن للحكومات التدخل مبكراً للحد من البطالة أو التشرد أو التدهور الصحي.
دول رائدة
برزت عدة دول كنماذج متقدمة في توظيف الذكاء الاصطناعي ضمن منظوماتها الحكومية، مستندة إلى رؤية استراتيجية وأطر تنظيمية واضحة.
وتتبوأ دولة الإمارات العربية المتحدة، مكانة متقدمة حيث برزت كقوة إقليمية، لتكون أول دولة تعيّن وزيراً للذكاء الاصطناعي، وجرى دمج التقنيات في دوائر الشرطة الذكية، والمحاكم الرقمية، وخدمات المتعاملين، وإدارة البنية التحتية. وتعكس رؤية دبي للتحول إلى مدينة مدعومة بالذكاء الاصطناعي طموحاً أوسع لبناء حكومة مستقبلية مرنة وسريعة الاستجابة.
وتُعد إستونيا نموذجاً عالمياً للحكومة الرقمية، فقد بنت بنيتها الإدارية على نظام رقمي متكامل يتيح تبادل البيانات بين المؤسسات بسلاسة، يعتمد المواطنون على الخدمات الإلكترونية في معظم تعاملاتهم الحكومية، من الضرائب إلى الصحة، ويُستخدم الذكاء الاصطناعي في الخدمات الاجتماعية، والدعم القضائي، وتقديم الخدمات الاستباقية التي تصل إلى المواطن دون الحاجة إلى تقديم طلب.
أما سنغافورة، فقد جعلت الذكاء الاصطناعي محوراً أساسياً في استراتيجية (الدولة الذكية)، وتوظف الحكومة هذه التقنيات في إدارة المدن، وتحسين استهلاك الطاقة، وتعزيز الأمن العام، وفي الرعاية الصحية، تُستخدم التحليلات التنبؤية لإدارة الأمراض المزمنة، بينما تُسهم الخوارزميات في تحسين صيانة الإسكان العام. ويعود نجاح سنغافورة إلى الحوكمة الصارمة، والأطر الأخلاقية الواضحة، والاستثمار المكثف في رأس المال البشري.
وفي المملكة المتحدة، يلعب الذكاء الاصطناعي دوراً متزايداً في تقليل التهرب الضريبي، وتحسين إدارة الإعانات، وتعزيز أمن الحدود، وقد حرصت لندن على تطوير مبادئ أخلاقية واضحة لاستخدام الذكاء الاصطناعي في القطاع العام، لضمان الشفافية والمساءلة.
في المقابل، استخدمت الصين الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع في إدارة المدن، والرعاية الصحية، والأمن العام، وتُظهر التجربة الصينية قوة الدمج بين البيانات والتكنولوجيا على نطاق ضخم، لكنها تثير في الوقت ذاته نقاشات عالمية حول الخصوصية وحدود الرقابة الحكومية.
التحديات والمخاطر المحتملة
رغم الإمكانات الكبيرة، لا يخلو الذكاء الاصطناعي من مخاطر، فقد تؤدي الخوارزميات المنحازة إلى تكريس التفاوت الاجتماعي، بينما قد تُضعف الأتمتة المفرطة مبدأ المساءلة، كما تتزايد المخاطر السيبرانية مع اتساع نطاق البيانات الحكومية الحساسة. ويبرز أيضاً خطر الفجوة الرقمية، حيث قد يُحرم بعض المواطنين من الاستفادة من الخدمات الذكية بسبب نقص المهارات أو الوصول إلى التكنولوجيا، وهنا تقع على عاتق الحكومات مسؤولية ضمان الشمول وعدم الإقصاء.
نحو مستقبل حكومي ذكي
يعيد الذكاء الاصطناعي صياغة العلاقة بين الدولة والمواطن، فإذا استُخدم بحكمة، يمكنه تحويل الخدمات الحكومية إلى منظومة أسرع، وأكثر عدالة، وأكثر استجابة لاحتياجات الناس، غير أن النجاح لا يتحقق بالتكنولوجيا وحدها، بل يتطلب رؤية سياسية، وأطراً أخلاقية، والتزاماً بقيم الشفافية والإنسانية.
وفي نهاية المطاف، لا يشكل الذكاء الاصطناعي مجرد أداة لتحسين الخدمات، بل اختباراً حقيقياً لقدرة الحكومات الحديثة على التكيف مع العصر، وتعزيز العقد الاجتماعي في عالم سريع التغير.
أفضل الممارسات لضمان نجاح التجربة
تكشف التجارب الدولية الناجحة عن مجموعة من المبادئ المشتركة التي تحدد ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيُحدث أثراً إيجابياً أم سيفاقم المشكلات القائمة.
أول هذه المبادئ هو توفر بنية رقمية قوية، تشمل بيانات عالية الجودة، وأنظمة مترابطة، وشبكات آمنة، فالذكاء الاصطناعي لا يعمل في فراغ.
ثانياً، لا بد من حوكمة واضحة وأطر أخلاقية صارمة تضمن الشفافية، وقابلية تفسير القرارات، وتجنب التمييز، يجب أن يفهم المواطن كيف تُتخذ القرارات، خاصة في القضايا الحساسة.
ثالثاً، يُعد التركيز على الإنسان عنصراً أساسياً، فالذكاء الاصطناعي ينبغي أن يدعم الموظف العام، لا أن يلغي دوره، وتستثمر الدول الناجحة في تدريب كوادرها على استخدام هذه الأدوات بوعي ومسؤولية.
رابعاً، بناء الثقة المجتمعية شرط لا غنى عنه. فالتواصل الصريح، وحماية البيانات، والرقابة المستقلة، كلها عناصر تعزز قبول المواطنين للتكنولوجيا.
وأخيراً، فإن التقييم المستمر والتحديث يضمنان استدامة هذه الأنظمة في ظل تطور التكنولوجيا وتغير القيم المجتمعية.
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة صحيفة الخليج ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من صحيفة الخليج ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
