تواصل دولة الإمارات العربية المتحدة تعزيز مكانتها مركزاً عالمياً للمعرفة والابتكار، من خلال استضافتها القمة العالمية للعلماء ضمن فعاليات القمة العالمية للحكومات 2026، التي تجمع نخبة من ألمع العقول العلمية العالمية مع صانعي القرار والسياسات. وتمثل القمة منصة حيوية لتبادل الخبرات، وتطوير التعاون الدولي في المجالات، العلمية والتقنية، كما تتيح للأبحاث العلمية أن تتحوّل إلى سياسات ومبادرات تخدم التنمية المستدامة، وتدعم الاقتصاد المعرفي. «الخليج» التقت علماء مشاركين في القمة، حيث أكدوا أن الإمارات منصة لصياغة سياسات المعرفة وبناء اقتصاد الابتكار، كما قدّما قراءات معمّقة لدور العلوم الأساسية في توجيه السياسات العامة، وأهمية بناء شراكات دولية مستدامة تعزز حضور البحث العلمي في المنطقة، وتربطه بأولويات التنمية العالمية. أكد راجيش جوباكومار، مدير المركز الدولي للعلوم النظرية في بنغالور بالهند، أن المبادرات العلمية الجديدة التي تشهدها دبي وأبوظبي تمثل خطوة إيجابية، ومؤثرة، في دعم مسار الفيزياء النظرية، وتدعم حضور البحث العلمي المتقدم في المنطقة. وأوضح أن البيئة العلمية المتنامية في دولة الإمارات تفتح آفاقاً واعدة للتعاون الدولي في مجالات الفيزياء والعلوم الأساسية، بما يسهم في ترسيخ مكانة الدولة كمركز إقليمي للحوار العلمي المتقدم. كما بيّن أن الفيزياء النظرية تضطلع بدور محوري في بناء الأطر المفاهيمية التي تفسر الظواهر على المستويات، الذرية ودون الذرية، واعتبر أن الاستثمار في هذا النوع من العلوم الأساسية هو استثمار طويل الأمد في منظومات الابتكار. وشدّد جوباكومار، على أهمية دور الحكومات في الاستماع إلى صوت العلماء، وفهم القيمة المجتمعية للبحث العلمي، مؤكداً أن السياسات العامة المستندة إلى المعرفة العلمية تمكن من مواجهة التحديات الناشئة، وتقديم حلول مستدامة لقضايا المستقبل، من الطاقة والتقنيات المتقدمة إلى الابتكار القائم على المعرفة. واعتبر أن القمم والمنتديات التي تجمع العلماء بصناع القرار تمثل منصة حيوية لبناء جسور الحوار بين المجتمعين، العلمي والسياسي، بما يدعم تكامل الرؤى وتبادل الخبرات، وتوجيه البحث العلمي لخدمة الأولويات التنموية. التقنية المتقدمة قال الدكتور هشام عمران، الحائز على جائزة اليونيسكو للعلماء الشباب وأستاذ بكلية الهندسة في جامعة عين شمس بمصر، إنه نال الجائزة في سن الثامنة والثلاثين، واختير كأفضل عالم من العالم العربي عام 2023، مشيراً إلى أن جائزته ترتبط بأبحاثه في أتمتة رقائق السيليكون وتصميمها، لتكون أدوات توصيل أعلى أداء، وأقل زمناً، بما يخدم تطوير الصناعات التقنية المتقدمة. وأضاف أن انعقاد القمة العالمية للحكومات 2026، بما تتضمنه من قمة عالمية للعلماء، يخلق مجتمعاً علمياً عالمياً يضم كوكبة من علماء العالم في مختلف التخصصات، الأمر الذي يتيح تبادل الخبرات وبناء شبكات تعاون بحثي عابر للحدود، بما ينعكس إيجاباً على مسارات البحث العلمي في العالم العربي، والعالم بأسره، ويدعم قدرة المنطقة على الاندماج في منظومات الابتكار العالمية. وأكد أن جمع هذا العدد من العلماء وصناع القرار في منصة واحدة يفتح المجال أمام صياغة تصورات مشتركة حول أولويات البحث العلمي في المرحلة المقبلة، لا سيما في المجالات المرتبطة بالتقنيات العميقة، والذكاء الاصطناعي، والطاقة، والمواد المتقدمة. وأشار عمران إلى أن الإمارات تمضي بخطى متسارعة في بناء منظومة علمية وبحثية متكاملة، تقوم على استقطاب العقول العالمية، ودعم مراكز البحث والابتكار، وربط البحث العلمي بأجندات التنمية الوطنية. وأوضح أن ما تقوم به الإمارات من استثمار في البنية التحتية للبحث العلمي، وتبنّي مبادرات تستشرف المستقبل، يعكس رؤية واضحة لتحويل الإمارات إلى منصة عالمية لإنتاج المعرفة، وصياغة حلول للتحديات العالمية، مؤكداً أن هذا الدور يرسخ مكانتها كنموذج عربي رائد يضاهي أفضل دول العالم في مختلف المجالات، العلمية والتقنية. بدوره أكد العالم الأمريكي جون هوبكروفت، الحائز على جائزة تورنغ لعام 1986، أن التعليم هو السمة الفارقة التي ميّزت الإنسان عن باقي الكائنات الحية، وجعلته قادراً على تحقيق إنجازات غير مسبوقة في تاريخ البشرية، من بينها تطوير التكنولوجيا التي مكّنت البشر من الوصول إلى القمر، وإعادة رواد الفضاء إلى الأرض بسلام. وأوضح أن أيّ إنجاز بهذا المستوى من التعقيد يستحيل أن يتحقق من دون منظومة تعليمية راسخة، مشدداً على أنه لا توجد أيّ فصيلة أخرى تمتلك هذه القدرة على نقل المعرفة وتطويرها، جيلاً بعد جيل. وفي رسالة وجهها إلى العالم، دعا هوبكروفت الأفراد، لا سيما الشباب، إلى عدم إهدار حياتهم في مطاردة المال فقط، مؤكداً أن الحياة قصيرة ويجب استثمارها في ما يحبّه الإنسان حقاً. وقال إن بناء المسار المهني ينبغي أن يقوم على الشغف والاهتمام الحقيقي، لا على السعي وراء الوظائف التي يظن أنها تدرّ دخلاً أكبر، لأن «شراء حياة جيدة بالمال»، على حد تعبيره، ليس طريقاً مضموناً للسعادة، أو النجاح الحقيقي. وأضاف أن التركيز على ما يستمتع به الإنسان في عمله يجعله لا يشعر بأنه «يذهب إلى العمل» بالمعنى التقليدي، بل يمارس ما يحب يومياً. واستشهد بتجارب عدد من العلماء والباحثين الذين نالوا جوائز كبرى، موضحاً أن كثيرين منهم لم تكن لديهم «استراتيجية» صارمة للنجاح، بل كانوا يقتنصون الفرص حين تبدو لهم مثيرة للاهتمام، ويمضون فيها، وإذا لم تكن كذلك، يتركونها، ويمضون إلى غيرها. وخلص هوبكروفت إلى أن القاسم المشترك بين هؤلاء الناجحين أنهم كانوا يفعلون ما يحبون، ما قادهم في النهاية إلى تحقيق إنجازات كبيرة، والنجاح في مسيرتهم العلمية والمهنية، مؤكداً أن الشغف، إلى جانب التعليم، يظلّان المحرّك الأساسي للتقدم الإنساني.