أكد محمد عبدالله القرقاوي، وزير شؤون مجلس الوزراء، رئيس القمة العالمية للحكومات أن عصر التحولات الذي نعيشه اليوم يمثل فرصة تاريخية للحكومات، وهي فرصة تحتاج إلى حكومات تفهم أن دورها الأول والأخير هو خدمة الإنسان. وقال: «نحن اعتدنا أن نسأل عن المستقبل: ماذا ستفعل التكنولوجيا بالاقتصاد، وبالوظائف، وبالخدمات؟.. وسؤالي هو: «ماذا ستفعل الحكومات بالإنسان بعدما تغيّر الإنسان؟ لأن أخطر ما قد يحدث ليس أن تتأخر الحكومات عن التكنولوجيا، بل أن تتأخر عن الإنسان». جاء ذلك في كلمة محمد القرقاوي الرئيسية خلال افتتاح أعمال القمة العالمية للحكومات 2026، أمس الثلاثاء، ورحب في مستهل كلمته بالمشاركين في القمة التي تنطلق مستلهمة الرؤية السديدة لصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، وبرعاية ومتابعة كريمة من صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، لتسهم برسالة استثنائية ورؤية استراتيجية تهدف إلى استشراف المستقبل وتشكيل واقع أكثر تقدماً للبشرية من خلال حواراتها الدولية التي تجيب عن الأسئلة المحورية التي ستوجّه مسار تطور الإنسان في العقود المقبلة. إعادة تعريف قال القرقاوي: «على الرغم من أن تاريخنا المكتوب كبشر ظهر في آخر 10 ثوانٍ من آخر يوم في عمر الكون، فإن التحولات التي حدثت فيه كبيرة جداً، ولكن أكبر تحوّل في تاريخ البشرية لا يحدث في المختبرات، ولا في المصانع، ولا في مراكز التكنولوجيا، بل يحدث داخل الإنسان نفسه.. نحن اليوم لا نعيش تغيرات صناعية أو تكنولوجية.. نحن نعيش لحظة إعادة تعريف لقدرات الإنسان». وأضاف محمد القرقاوي أن تاريخ البشرية شهد قفزات كبيرة في مفهوم المعرفة، وكل قفزة جاءت معها مخاوف، وعلى سبيل المثال: حذّر سقراط من الكتابة لأنها، برأيه، قد تُضعف الذاكرة.. لكن التاريخ أثبت شيئاً واحداً، أن البشرية لم تتراجع يوماً بسبب الخوف، بل تقدّمت عندما أصبحت جريئة، وتعلّمت كيف تتكيّف.. أما اليوم فالعالم أمام مرحلة مختلفة تماماً، مرحلة تقاس فيها قدرات الإنسان بما يكتسبه، ويطوره، ويعززه». وأكد: «عندما نقول إن الإنسان يدخل مرحلة جديدة، فنحن لا نتحدث عن فكرة نظرية، بل عن أربع قوى تجعله اليوم أقرب إلى ما يمكن تسميته إنساناً مُعززاً بقدرات غير مسبوقة، وهي أربع قوى رئيسية تغيّر طبيعة الإنسان نفسه، والقوة الأولى هي: ذكاء اصطناعي يضاعف القدرات الذهنية، فالإنسان كان لآلاف السنين يصنع الأدوات، واليوم نحن أمام لحظة مختلفة، يصنع فيها الإنسان أداة تُنتج أدوات وتُفكّر وتُحلّل وتبني وتتعلم... الذكاء الاصطناعي لم يعد مساعداً، بل شريكاً في التفكير، ومن المتوقع خلال عشر سنوات القادمة أن ترتفع القدرة الحاسوبية للذكاء الاصطناعي بنحو مليون مرة». الذكاء الاصطناعي أضاف القرقاوي: «نقول اليوم إن الذكاء الاصطناعي شريك، لكن كلنا نعرف أن الشراكة قد تكون مؤقتة، ومعها سننتقل من ذكاء يساعد إلى ذكاء يشارك، وربما إلى ذكاء يقرر، وهذا يعني أننا لا نضيف تقنية جديدة إلى حياتنا، بل نضيف مكوناً جديداً إلى بنية الإنسان المعرفية.. طريقة يفكر بها، ويتعلم بها، ويقرر بها». وقال إن القوة الثانية هي الطب المتقدم الذي يطيل العمر الصحي وليس العمر فقط، فكلفة تسلسل الجينوم البشري انخفضت من 100 مليون دولار إلى أقل من 600 دولار، وقد تصل إلى أقل من 100 دولار خلال ال 10 سنوات القادمة، وهذا يعني طباً شخصياً، واكتشافاً مبكراً للأمراض قبل ظهورها بسنوات، وقد ارتفع متوسط العمر المتوقع عالمياً بأكثر من الضعف خلال مئة عام الماضية، متسائلاً: «كم سيتضاعف عمر الإنسان خلال مئة عام القادمة؟ وما تأثير ذلك في الحكومات، وعلى الوظائف وصناديق التقاعد، والمالية العامة؟». علوم الدماغ قال القرقاوي، إن القوة الثالثة هي علوم الدماغ التي ستعيد تعريف التعلم والإدراك، فاليوم نحن نعرف عن الكون أكثر ما نعرف عن عقل الإنسان، لكن الاكتشافات القادمة لن تكون في الفضاء، بل ستكون اكتشاف قدرات جديدة في عقل الإنسان نفسه، ومع دخول مرحلة الذكاء المعزّز، لن يعمل الذكاء الاصطناعي بدلاً عن العقل البشري، بل سيعمل معه. وقد أعلنت نيورو-لينك، وهي شركة تطوّر شرائح تُزرع في الدماغ لتمكين التواصل المباشر بين الدماغ والحاسوب، قبل عدة أيام أن لديها 21 مشاركاً في التجارب، وبعضهم يتحكم بالأجهزة بعقله أو بتفكيره.. وكما كان الإنترنت في بداياته مجرد بريد إلكتروني، قد تكون واجهات الدماغ اليوم مجرد البداية، والسؤال هو، هل الاستثمار القادم سيكون في قدرات العقل البشري، كما استثمرنا سابقاً في شبكات الاتصالات؟ وأشار إلى أن القوة الرابعة هي البيئات الرقمية التي توسّع الوجود الإنساني نفسه، فالإنسان انتقل من قرية يعرف فيها الجميع إلى عالم يتزاحم فيه الجميع على انتباهه ووقته ومشاعره، ولم يعد الإنسان مرتبطاً بمكان واحد أو وظيفة واحدة أو هوية واحدة، واليوم هناك أكثر من 5.5 مليار إنسان متصلون بالإنترنت، وهذا يعني أن كل فرد يعيش وسط العالم، يتأثر به، ويؤثر فيه. وأضاف أن إيقاع الحياة أيضاً يتغير، فتركيز الإنسان أقصر، وتشتته أكبر، كما يتغير إحساسه بالهوية، حيث لم يعد شخصاً واحداً، بل نسخاً متعددة على منصات متعددة». عقل وفكر أكد القرقاوي أن هذه القوى الأربع مجتمعة تخلق إنساناً وعقلاً وفكراً مختلفاً عن كل ما شاهدناه خلال ال 40 ألف سنة الماضية، وقدم التساؤل الأهم: كيف ستتعامل الحكومات مع هذا الإنسان؟ وقال: «الإنسان اليوم قدراته أصبحت خارقة، إلا أن الحكومات لا تزال تتعامل معه بأدوات الماضي، وبحلول عام 2040، تشير بعض التوقعات إلى أن يشكّل GenZ نحو 40% من القوى العاملة عالمياً، وهو جيل مختلف، نشأ على «الآن»، ويريد الخدمة الآن وتعلماً مستمراً وحياة فيها توازن ومعنى، لا مجرد وظيفة وراتب، كما يؤثر GenZ كقوة ضغط يومية على القرار العام في كل مكان في العالم». وأكد أن دور الحكومة في كل مرحلة مفصلية في التاريخ كان يتطور مع تطور الإنسان.. مع الثورة الصناعية، أعادت الحكومات تصميم العمل، ومع عصر الكهرباء، أعادت تصميم البنية التحتية، واليوم، مع تطور الإنسان نفسه، نحن بحاجة إلى إعادة تصميم مفهوم الحكومة بالكامل. وقدم القرقاوي أمام القمة العالمية للحكومات تساؤلاً جوهرياً: هل الحكومات في العالم اليوم مصممة لإنسان الأمس، أم لإنسان الغد؟ مشيراً إلى أن دور الحكومة ينتقل في عالمٍ متسارع، من إدارة الواقع إلى تصميم المستقبل، ومن قوانين جامدة إلى تشريعات قابلة للتحديث تلقائياً، ومن مؤسسات مثقلة بالبيروقراطية إلى مؤسسات تخدم الإنسان. وشدد على أن التاريخ واضح في هذه النقطة، وفي كل تحوّل حضاري كبير، هناك حكومات قادت، وحكومات انتظرت، وحكومات اندثرت، والتاريخ لا يتذكر المنتظرين.