د. عبدالعظيم حنفي* في 27 يناير 2026، وفي لحظة وُصفت بأنها من أهم المنعطفات الاقتصادية في القرن الحادي والعشرين، أعلنت الهند والاتحاد الأوروبي التوصل إلى اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند، وهي اتفاقية تاريخية تعد أكبر الاتفاقيات من نوعها على مستوى العالم وتمثل ثقلاً اقتصادياً وبشرياً غير مسبوق في النظام التجاري الدولي. باعتبارها تؤسس لأكبر سوق تجارية في العالم، تضم ما يقرب من ملياري نسمة، وحصة كبيرة من الناتج المحلي الإجمالي والتجارة العالمية. وهي اتفاقية من شأنها إعادة تشكيل التجارة العالمية وسلاسل التوريد. وبتلك الاتفاقية فتح الجانبان فصلاً جديداً في الشراكة الاستراتيجية بينهما. والتأكيد، على عزم الشريكين بناء إحدى أهم الشراكات في القرن الحادي والعشرين.وقد شهدت العلاقات التجارية ومفاوضات التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي مراحل متعددة. فقد تطورت العلاقات بين الطرفين تدريجياً منذ ستينات القرن الماضي عندما بدأ التعاون الاقتصادي بينهما. وفي عام 1994 تم توقيع اتفاقية التعاون بين الهند والاتحاد الأوروبي، والتي تطورت لاحقاً إلى شراكة استراتيجية في عام 2004. وخلال هذه الفترة، ارتفعت قيمة التجارة البينية من 13.7 مليار يورو إلى 30 مليار يورو بحلول عام 2007، ما شكّل أساساً لبدء مفاوضات اتفاقية التجارة الحرة. وينظر إلى تلك الاتفاقية، التي تخضع للنقاش منذ سنوات، على أنها فرصة للجانبين لتعميق العلاقات الاقتصادية.وبلغ إجمالي التجارة الثنائية بين الهند والاتحاد الأوروبي 120 مليار يورو (140 مليار دولار) في عام 2024، ما يجعل الاتحاد الأوروبي أكبر شريك تجاري للهند.وتجسد تلك الاتفاقية منعطفاً حاسماً مع التطورات الجيوسياسية الجديدة. حيث شهد العالم خلال السنوات الأخيرة اضطرابات اقتصادية حادة، من جائحة عالمية، إلى أزمات سلاسل الإمداد، وصولاً إلى تصاعد التوترات التجارية بين القوى الكبرى. ومن ثم بدا واضحاً أن إعادة رسم خريطة التحالفات الاقتصادية لم تعد خياراً، بل ضرورة استراتيجية. وقد رأت العديد من مراكز الدراسات الاقتصادية أن الشراكة بين الهند والاتحاد الأوروبي تمثل خطوة مدروسة لإعادة التوازن في النظام التجاري العالمي، ولاحظت أن المفاوضات بشأن هذه الاتفاقية قد اكتسبت زخماً بعد قرار الولايات المتحدة فرض رسوم جمركية عقابية على الهند لاستيرادها النفط الروسي، فضلاً عن خيبة أمل واشنطن من الدول الأوروبية لمعارضتها مساعيها لفرض سيادتها على غرينلاند. كما لاحظت أن الهند تميل أكثر نحو الاتحاد الأوروبي بعد أن أصبحت علاقاتها عبر الأطلسي مشروطة، وأن الطرفين يجدان نفسيهما في حالة تقارب لتعزيز حضورهما الاقتصادي عالمياً. فبينما توفر الهند سوقاً واسعة، وتتشارك مع الاتحاد الأوروبي في القيم الديمقراطية، وتُعد شريكاً آمناً لضمان سلاسل الإمداد، يرى الاتحاد الأوروبي في الهند شريكاً مهماً للاستثمار والتبادل التجاري ونقل التكنولوجيا، مما قد يساعد الهند على تحقيق هدفها المتمثل في بلوغ حجم اقتصاد يبلغ 10 تريليونات دولار. وعند النظر إلى الأرقام وحدها، يتضح حجم التحول الذي يحمله هذا الاتفاق. فسوق يضم قرابة ملياري مستهلك ما يعني فرصاً هائلة للنمو، ليس فقط للشركات الكبرى، بل أيضاً للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة التي تسعى إلى التوسع خارج حدودها الوطنية. وهذه السوق قد تصبح خلال سنوات قليلة إحدى أكثر المناطق ديناميكية في العالم من حيث الإنتاج والاستهلاك.الاتفاق ينص على إزالة أو تخفيض الحواجز الجمركية أمام معظم السلع المتبادلة بين الجانبين، ما يفتح الباب أمام تدفق أكبر للبضائع والخدمات. المنتجات الأوروبية، المعروفة بجودتها العالية في مجالات مثل الصناعات الدوائية والهندسية، ستجد سوقاً واسعة في الهند، في حين ستحصل الصادرات الهندية، خاصة في قطاعات النسيج، التكنولوجيا، والخدمات الرقمية، على وصول أسهل إلى الأسواق الأوروبية. لكن الأهمية الحقيقية للاتفاق لا تكمن فقط في حجم التبادل التجاري المتوقع، بل في نوعية هذا التبادل. فالاتفاق يركز بشكل كبير على قطاعات المستقبل، مثل الاقتصاد الرقمي، الابتكار التكنولوجي، والطاقة المتجددة. ووفقاً لما أوردته تقارير صحفية، فإن الجانبين يراهنان على أن التعاون في هذه المجالات سيعزز القدرة التنافسية المشتركة في مواجهة الاقتصادات الكبرى الأخرى. جذب استثمارات ضخمةكما يُتوقع أن يسهم الاتفاق في جذب استثمارات ضخمة، سواء من الشركات الأوروبية الباحثة عن فرص في السوق الهندية سريعة النمو، أو من المستثمرين الهنود الراغبين في التوسع داخل أوروبا. هذا التدفق الاستثماري من شأنه أن يدعم خلق فرص عمل جديدة، ونقل الخبرات، وتعزيز الابتكار، وهو ما اعتبره خبراء اقتصاديون أحد أبرز مكاسب الاتفاق على المدى الطويل.يمكن القول إن هذه الاتفاقية تعكس إدراكاً متزايداً بأن مستقبل الاقتصاد العالمي لن يُبنى على المنافسة الصفرية، بل على الشراكات الذكية التي تجمع بين القوى المختلفة. وهذا التحالف قد يشكل نموذجاً جديداً للتعاون بين الاقتصادات المتقدمة والناشئة، وعلى المصالح المتبادلة بدل العلاقات غير المتكافئة. وباعتباره رسالة سياسية بقدر ما هو اتفاق اقتصادي، رسالة تؤكد أن التعاون والحوار ما زالا ممكنين في عالم يشهد تصاعداً في النزعات الحمائية. * أستاذ العلوم السياسية والاقتصادية