كَانَ أَبِي رَجُلًا مِنْ تُرَابِ الجَنُوبِ مِنْ جُذُورٍ تَشُقُّ الرَّمْلَ كَنَخْلَةٍ لا تَئِنُّ بِمِهْنَةٍ تُشْبِهُ قَلْبَهُ كانَ يَشْوِي اللحْمَ فِي أَسْواقِ القُرَى كَمَنْ يُقَدِّمُ شَيْئًا مِنْ جَسَدِهِ كُلَّ نَهَارٍ ولمْ يَأْخُذْ مِنَ الحَيَاةِ إلَّا مَا مَنَحَتْهُ الشَّمْسُ لِلْحَجَرِ كانَ يرتَدِي جِلْبَابًا بِلَوَنِ الأَرْضِ حِينَ تُمْطِرُ وعَيْنَاهُ تُحَدِّثَانِ الغُرَبَاءَ عَنْ تَعَبٍ قَدِيمٍ لا يَحْتَاجُ إلى كَلِمَاتٍ في المَسَاءَاتِ حينَ كانَ يَعُودُ كانَ الجَمْرُ يَتَنَفَّسُ مِنْ رَاحَتَيْهِ ويَسْتَلْقِي كَيْ يُنْصِتَ لأُسْطوَانَاتٍ رَعَوِيَّةٍ كما لو أنَّ الحَيَاةَ وُجِدَتْ لتُغَنِّيَ لَهُ وكَانَ يُرَتِّلُ مَعَ شَيْخِ المُجَوِّدِينَ بِشَفَتَينِ لاهِيَتَيْنِ كَأنَّها كَانَتْ صَلاتُهُ الَّتِي لَا تَقْبَلُ الجَهْرَ وكانَتْ لَهُ مُرَدَّدَاتٌ طَرِيَّةٌ لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ كَيْفَ تَأتِي إلى البَالِ كَأَنَّها كانَتْ تَنَامُ في دَمِهِ مُنْذُ الأَزَل وكانَ يَضْحَكُ مِنْ قَلْبِهِ كَأَنَّ الضَّحِكَ فَاكِهَةٌ تُقطَفُ مِنَ الغُصْنِ يَاأَللهْ، كَمْ أَحَبَّنَا! (نَحْنُ الثَّلاثَةَ أَبْنَاءَهُ) كَأنّهُ كانَ يَحْرُسُ الظّلالَ التي تَحْرُسُنَا ونَحْنُ نَعْبُرُ النَّهَارَاتِ لا نَعْرِفُ أيْنَ نَمْضِي ولَكَمْ أَحَبَّ الحَياةَ بِهدُوءٍ لا تَقْتَرِحُهُ الكُتُبُ لا تَرْتَجِلُهُ المُدُنُ لَمْ يَسْأَلْ يَوْمًا لِمَاذَا العَالَمُ مَائِلٌ هَكَذَا ولِمَ غَابَ بَعْضُ أَصْدِقَاءِ الطَّريقِ كَأَغَانٍ قَدِيمَةٍ تَتَخَلّى عَنْ مُغَنِّيِّيهَا فِي مُنْتَصَفِ الإِنْشَادِ بَسيطًا كانَ أَبِي عَلَّمَنِي مَنْطِقَ الجَمْرِ فِي اليَدِ وكَيْفَ يَلْتَهِبُ الجَمْرُ فِي القَلْبِ أَحْيَانًا وأَنَّ مَنْ يَشْوِي اللحْمَ للنَّاسِ لا بُدَّ أَنْ يَتْرُكَ قِطْعَةً صَغيرَةً مِنَ القَصِيدَةِ تُؤْكَلُ سَاخِنَةً مَعَ شَايٍ سَاخِنٍ قَبْلَ أَنْ يَبْرُدَ الوَقْتُ.