في أواخر تسعينيات القرن الماضي، شهدت صناعة السيارات عملية اندماج أصبحت لاحقًا نموذجًا في عالم الإدارة لما قد يحدث عند محاولة الدمج بين نقيضين دون جسر ثقافي يربط بينهما: "دايملر" رمز الانضباط وجودة الصناعة الألمانية، و"كرايسلر" التي تتسم بروح المبادرة والعمل الجماعي والمرونة الأمريكية. في غضون تسع سنوات، تحول الاندماج من حلم استراتيجي إلى صراع نفوذ، أثبت أن الحسابات المالية وحدها لا تكفي لإنجاح خطط الدمج، بل إن التوافق الثقافي والإداري عامل حاسم في تحديد المصير. هل كان الاندماج بين متكافئين؟ "دايملر - بنز" - تشتهر بعلامتها التجارية "مرسيدس" - ورغم نجاحها الأوروبي إلا أن حصتها في السوق الأمريكية كانت تقل عن 1%، أما "كرايسلر" – التي تعد ضمن مجموعة "ستيلانتيس" حاليًا - بعلامتها "دودج" و"جيب" تولي أهمية للتصاميم الجاذبة لسياراتها والأسعار التنافسية، وكانت تتمتع بمكانة قوية في سوقها المحلية، حيث بلغت حصتها عام 1997 حوالي 23%. صفقة بدت واعدة في 1998، وفي ظل التحديات التي كانت تشهدها الصناعة، كان اندماج "دايملر" و"كرايسلر" بقيمة 35 مليار دولار، بمثابة الحل لتعزيز مكانتهما في مواجهة الشركات اليابانية الأكثر كفاءة، ومعالجة المخاوف البيئية، وتشكيل ثالث أكبر شركة لصناعة السيارات في العالم آنذاك. آمال كبيرة.. وواقع مختلف بمجرد إتمام الصفقة، تعهد المدير التنفيذي لـ "دايملر" آنذاك "يورغن شريمب" – المعروف بحماسه الدائم - علنًا بأن "دايملر كرايسلر" ستتمكن من منافسة الجميع، وستصبح أكثر شركات الصناعة من حيث الربحية، غير أن الواقع سرعان ما خيب تلك التوقعات، إذ ظل الكيان منقسمًا فعليًا لكن تحت مظلة واحدة دون اندماج حقيقي. انهيار القيمة وسرعان ما ظهر الأمر من الناحية المالية، فقد تراجعت القيمة السوقية للكيان الجديد إلى 53 مليار دولار تقريبًا في عام 2000، بينما كانت قيمة "دايملر" وحدها قبل الاندماج حوالي 57 مليار دولار. أزمة كرايسلر انخفضت حصة "كرايسلر" في السوق الأمريكية إلى 14%، مع فشلها في التكيف مع الطلب على السيارات الأصغر حجمًا، بدلاً من السيارات الرياضية متعددة الأغراض إلى تعرضها لمخاطر كبيرة من انكماش الاقتصاد، لذا تكبدت خسائر بقيمة 2.2 مليار يورو في ذلك العام. "دايملر" الأكثر نفوذًا لم يدم قناع "التكافؤ" طويلاً، حيث عرقل الاختلاف الثقافي عملية صنع القرار خاصة في ظل الصراعات القيادية، حيث حاولت "دايملر" فرض أسلوبها الإداري الصارم ما انعكس في مزاح شاع بين الموظفين آنذاك: كيف ينطق اسم "دايملر كرايسلر"؟ كان الجواب "دايملر" فقط، في إشارة إلى هيمنة الثقافة الألمانية. أسباب الفشل هذه الهيمنة أضرت بثقة الموظفين، خاصة مع تردد بعض وكلاء "مرسيدس-بنز" في عرض موديلات "دودج وجيب"، وشكوك المهندسين الألمان في خط الإنتاج وأنظمة مراقبة الجودة الخاصة بـ "كرايسلر". فجوة ثقافية أو صدام الثقافات في عام 2005، تقاعد "يورغن شريمب" بعدما واجه غضب المساهمين من دفع مبلغ باهظ في تلك الصفقة، وأقر خليفته "ديتر زيتشه" بأن تفكيك الشركة بات وشيكًا. اندماج انتهى بالفشل وبالفعل استمرت التجربة 9 سنوات فقط، إذ انهار الاندماج غير الموفق عام 2007 عندما باعت "دايملر" شركة "كرايسلر" إلى مجموعة الأسهم الخاصة "سيربيروس" مقابل 7.4 مليار دولار فقط، أي تقريبًا خمس المبلغ الأصلي الذي دفع حين الدمج، على أن تحتفظ "دايملر" بحصة 19.9% من أسهم "كرايسلر". لم ينجح مزيج قوة الهندسة الألمانية وكفاءة التصنيع الأمريكية في تحقيق التوقعات المرجوة بل إن الوضع ازداد سوءًا تدريجيًا، وبدلاً من اكتساب ميزة تنافسية وتشكيل شركة كبرى تنافس شركات رائدة مثل "جنرال موتورز" و"فورد"، فقد الطرفان هويتهما نتيجة اندماجهما معًا، حتى انطلق كل منهما في طريقه الخاص للمنافسة من جديد. المصادر: أرقام – موقع "مرسيدس-بنز" - الجارديان – سي بي إس نيوز - وول ستريت جورنال – فاينانشال تايمز – دراسة “Why Do Mergers Fail ?