لم تعد معركة العملات الرقمية المستقرة شأناً تقنياً يهم خبراء التكنولوجيا المالية وحدهم، بل تحولت إلى أحد أبرز ملفات الصراع في الاقتصاد العالمي، لما تحمله من تداعيات مباشرة على النظام المالي، والسيادة النقدية، ودور البنوك، ومستقبل النقود نفسها. ففي مواجهة صعود هذه العملات الرقمية، تجد «وول ستريت» والمؤسسات المصرفية التقليدية نفسها أمام تحدٍ غير مسبوق، مصدره عالم «الكريبتو» الذي يسعى إلى إعادة رسم قواعد المال في العصر الرقمي.هذه المواجهة لا تُخاض في الأسواق فقط، بل في البرلمانات، والبنوك المركزية، وغرف صنع القرار، حيث يُعاد طرح سؤال يبدو بسيطًا في ظاهره، لكنه عميق في جوهره: من يملك حق إصدار النقود والتحكم بها في القرن الحادي والعشرين؟ وظهرت العملات المستقرة كحل عملي لمشكلة التقلب الحاد في أسعار العملات المشفّرة بما يمثل مواجهة رقمية مع «الكريبتو» لإعادة رسم قواعد المال، فمن خلال ربط قيمتها بالدولار أو بأصول منخفضة المخاطر، أصبحت هذه العملات أكثر قابلية للاستخدام في الدفع والادخار والتسوية المالية. لكن ما بدأ أداة داخل منصات التداول، سرعان ما تجاوز هذا الإطار، ليتحول إلى قناة نشطة تمر عبرها مليارات الدولارات يوميًا.اليوم تُستخدم العملات المستقرة في التحويلات العابرة للحدود، والتجارة الإلكترونية، وتسويات الشركات، وحتى في بعض المدفوعات الحكومية التجريبية. هذا التوسع السريع جعلها تقترب من منطقة كانت حكرًا تاريخيًا على البنوك والدول، أي وظيفة النقود.لا تنظر البنوك الكبرى إلى العملات المستقرة بوصفها خطرًا مطلقًا، بل ترى فيها وجهين متناقضين. فمن جهة، تعترف المؤسسات المصرفية بأن هذه التكنولوجيا قادرة على تحديث أنظمة الدفع العالمية، التي لا تزال تعتمد على بنى بطيئة ومكلفة، تعود في جوهرها إلى سبعينيات القرن الماضي. ومن جهة أخرى، تخشى أن يؤدي هذا التحديث إلى تقويض دورها التقليدي.المصدر الأساسي للقلق هو الودائع. فالبنوك تعتمد على ودائع العملاء لتمويل القروض وتحريك عجلة الاقتصاد. وإذا تحولت العملات المستقرة إلى بديل عملي للحسابات المصرفية، خصوصًا إذا سُمح لها بتقديم عوائد، فإن ذلك قد يؤدي إلى نزوح واسع للأموال خارج النظام المصرفي، ما يضعف قدرة البنوك على الإقراض ويهدد الاستقرار المالي.لهذا السبب، تدفع البنوك بقوة نحو تنظيم صارم للعملات المستقرة، يحد من قدرتها على منافسة الحسابات المصرفية التقليدية، ويُبقيها ضمن إطار «وسائل دفع» لا أكثر. رؤية مختلفة من عالم الكريبتوفي المقابل، يرى أنصار العملات المشفّرة أن هذا القلق يعكس رغبة في الحفاظ على امتيازات تاريخية. وتقدم العملات المستقرة نموذجًا مختلفًا للنقود: نقود رقمية، تعمل على مدار الساعة، بلا حدود جغرافية، ويمكن لأي شخص استخدامها بمجرد امتلاك هاتف ذكي. كما تشكل العملات المستقرة حجر الأساس لمنظومة «التمويل اللامركزي»، التي تتيح الإقراض والتداول والادخار دون وسطاء تقليديين، وهو ما يراه أنصار الكريبتو ثورة مالية حقيقية، ويعتبره خصومهم مخاطرة غير محسوبة.في أوروبا، يسود نهج أكثر تحفظًا، يقوم على رقابة صارمة وتقييد استخدام العملات المستقرة في المدفوعات الواسعة. أما في آسيا، فتحاول بعض المراكز المالية إيجاد توازن بين جذب الابتكار وحماية الاستقرار.في بعض الدول، باتت العملات المستقرة تُستخدم وسيلة تحوط ضد التضخم، ما يمنح الأفراد حماية نسبية، لكنه في الوقت نفسه يضعف العملة الوطنية ويقلل من فعالية أدوات السياسة النقدية.ولا يمكن إنكار أن العملات المستقرة تحمل مخاطر حقيقية. فقد شهد السوق انهيارات مؤلمة لعملات فقدت ربطها، وتعرضت لعمليات استرداد جماعية. ويشير المدافعون عنها إلى أن العملات المستقرة الخاضعة لرقابة واضحة واحتياطيات كاملة قد تكون أقل خطورة من بعض الأدوات المالية التقليدية المعقدة.تتجه معظم التقديرات إلى أن المستقبل لن يشهد انتصارًا حاسمًا لطرف واحد. فالسيناريو الأكثر ترجيحًا هو نظام مالي هجين، تتعايش فيه العملات المستقرة الخاصة مع العملات الرقمية التي تصدرها البنوك المركزية، فيما تحافظ البنوك على دورها، لكن ضمن بيئة أكثر تنافسية وأقل احتكارًا. إطار قانوني في الولايات المتحدةفي الولايات المتحدة، أُقرّ إطار قانوني ينظم إصدار العملات المستقرة، ويُلزم الجهات المصدرة بالاحتفاظ باحتياطيات كاملة وخاضعة للتدقيق. ويهدف هذا الإطار إلى طمأنة الأسواق ومنع تكرار أزمات فقدان الثقة التي شهدها قطاع الكريبتو في السنوات الأخيرة.لكن الخلافات لم تُحسم بعد. فالسؤال الجوهري لا يزال مطروحًا: هل تُعامل العملات المستقرة كمنتج مالي جديد، أم كبديل محتمل للنقود؟ والإجابة على هذا السؤال تحدد مستوى القيود المفروضة عليها.