أي مَشهد سوريالي ومُفْجِع أن تتقاسم المشهدَ اللبناني، صورتان لدمارٍ وحُطامِ منازل، من الحافة الحدودية مع اسرائيل حيث ما زالت بلداتٌ تكفكف الدموعَ أمام «الإبادة الحجَرية» التي سوّتْ معها تل أبيب بيوتاتها بالأرض، إلى حافة المتوسط، عاصمة الشمال طرابلس التي لا تنفكّ تلملم أشلاء أبنائها الذين «تلتهمهم» أبنية تُطْبِق على مَن فيها في مجزرة متسلسلةٍ ومركّبة الأسباب. وفيما كان الجميع مَشدودين إلى السِباق المحموم في المنطقة بين الدبلوماسية والحرب وسبل تجنُّب ربْط لبنان بها، وإلى إكمال رئيس الحكومة نواف سلام مشهدية عودة الدولة إلى الجنوب حيث أنْهى جولةَ اليومين فيه بزيارةِ قضاءي مرجعيون وحاصبيا ومدينة النبطية، صُعقت «بلاد الأرز» بكارثةٍ جديدة كُتبتْ بأحرفٍ من دم ودمار في المدينة التي يتعايش تحت سمائها زنار الفقر الأوسع على حوض المتوسط و«قِلاع» الثراء الأكبر في لبنان والعالم. … وهكذا فجأةً خَطَفَتْ «الفيحاء» الأضواء والأنفاس مع رائحة الموت التي فاحت من تحت أنقاض مبنى من 5 طبقاتِ انهار في شارع سورية الذي لطالما شكّل اسمه عنواناً لجُرْح عميق يفصل بين باب التبانة وجبل محسن، ولخطّ أحمر بلون الدم ومتاريس ارتفعت لعقودٍ واشتعلت على جولات قبل أقل من 20 عاماً، ولإسفينٍ في الجغرافيا والسياسة (إبان نظام الأسديْن). ومع تَشَظّي الكارثةِ التي جاءت بعد نحو اسبوعين من تَداعي مبنى في محلة القبة سَقَطَ تحت أنقاضه والد وابنته وأُنقذت الأم وولديْن، انتقل الرادارُ والعدساتُ و«العواجل» من الإقليم الذي يَخشى لبنان أن يكون مصدرَ «تسونامي نار» جديد يحرق الأخضر واليابس، ومن الجنوب الذي يَعلو فيه «صوتُ وصورةُ» الدولة للمرة الأولى منذ عقود على متن سيادةٍ تَستعيدها عبر الجيش ومَسار سَحْبِ سلاح «حزب الله» الذي يَمْضي نحو شمال الليطاني في محاولةٍ لنزع الذرائع من يد اسرائيل وإبعاد إصبعها عن زناد «حربٍ أخيرة». ومع المَشاهد المروّعة والمرعبة من المنطقة الواقعة بين ضفتيْ البؤساء الأكثر بؤساً، وإطلالة طفل وامرأة من تحت الردم على قيد الحياة والتداول بمعلومات عن وجود ما لا يقلّ عن عائلتين كانتا في المبنى لحظة انهياره، بدّد الغضبُ الكبير الذي ساد اللبنانيين – ولا سيما مع بدء انتشال ضحايا وبينهم طفل عمره 3 سنوات – الإيجابيات التي تسعى الدولةُ إلى مراكَمتها في ملفيْ السيادة والإعمار جنوباً وإعادة إطلاق دورها الإنمائي والخدماتي، والتي بدا أنها احتجبتْ خَلْفِ غبارِ بناءٍ كان هنا وإذ به كأنه لم يكن… بما ومَن فيه. في هذا الشارع، لم يكن هناك مكان لعناوين استعادة الدولة سيادتها وبسط سيطرتها بقواها الذاتية حصراً على كامل أراضيها، ولا لشعاراتِ الحماية وأحزمة الأمان الاجتماعية… فهنا حزام البؤس الذي لا ينفكّ يشتدّ حول أعناق فقراء حُكم عليهم أن يكونوا بمثابة «موتى يَمشون» بعدما تُركوا ليقارعوا خطر المصير الأسود الذي يسكن معهم تحت سقوف نحو ألف مبنى وُسمت بأنها متصدّعة ومهدَّدة بالانهيار. من قَلْبِ الصور المؤلمة، تَطايَرَ حزنٌ وسخطٌ لم يتركا فسحةً لأسئلة عن مسؤولٍ «معلومٍ» عن جريمة متمادية غالباً ما تبقى «برسم مجهول»… عن أسباب تتعدّد ولكن نتيجتها المفجعة والموجعة واحدة… عن قانون إيجاراتٍ قديم ومالكي أبنية محبَطين من بدلاتٍ بعضها يراوح بين 20 و100 دولار في السنة ما يُحْبِط مسار عمليات ترميم تقع على عاتقهم، وعن سلطاتٍ لطالما أغفلتْ الأولويةَ الطارئة لتأمين بدائل عاجلة وبدلات إيواءٍ لقاطني «أبنية الموت» وهي الأزمة «الموروثة» والمزمنة التي تكاد أن تَستعصي على دولةٍ تقيم فوق بركانٍ اسمه أكثر من 17 ألف مبنى مهدّد بالسقوط (بفعل تداعيات الحرب اللبنانية أو الاسرائيلية كما قانون الإيجارات) وفوق فوالق قد تزلزل الأرض تحت أقدام «بلاد الأرز» في لحظة أو أخرى. ومن عاصمة الشمال إلى الجنوب، اختصرت صرخاتُ عشرات الذين هرعوا إلى موقع السقوط المروّع المسافات، فأوعز سلام إلى الأمين العام للهيئة العليا للإغاثة العميد بسام نابلسي الذي كان برفقته بقطع زيارته إلى المنطقة الحدودية والتوجّه فوراً نحو طرابلس لتنسيق جهود الإغاثة، في وقت كان رئيس الجمهورية جوزف عون يتابع مع وزير الداخلية أحمد الحجار مجريات الحدَث حيث تلقى تباعاً التقارير عن رفع الأنقاض والانقاذ وطلب من الأجهزة الاسعافية كافة الاستنفار للمساعدة في هذه العمليات وتأمين الإيواء لسكان المبنى والمباني المجاورة التي أخليت تحسباً لأي طارئ. وكان سلام اختتم جولة ليومين في الجنوب وأنهاها بافتتاح السوق التجارية البديلة في النبطية، بعدما بدأها في يومها الثاني من بلدة كفركلا الحدودية التي مسحتْها اسرائيل «عن وجه الأرض» حيث احتشد الأهالي لاستقباله. ومن هناك أكد أن الزيارة هي لتأكيد أن «الدولة بكامل أجهزتها إلى جانب القرى الحدودية المنكوبة». واعتبر «ان وضع كفركلا يُعدّ الأصعب مقارنة بغيرها، نتيجة الانتهاكات اليومية المستمرة وقربها من الحدود»، مشدداً على أن «لا عودة مستدامة من دون إعادة تأهيل البنى التحتية، التي ستبدأ خلال الأسابيع المقبلة»، ومؤكداً أن الحكومة ستواصل السعي لإلزام إسرائيل بما وقّعت عليه «وهذا لا يعني الانتظار حتى الانسحاب من كامل الأراضي، وسنعمل على إعادة تنظيم وضع المدينة وإعادة تأهيل البنى التحتية». وكان الأهالي استقبلوا سلام بباقات من الورد وغصن زيتون، وقد تكرر هذا المشهد في أكثر من بلدة في مرجعيون حيث أكد «نريد ان ننهض بقضاء مرجعيون من خلال المشاريع، ونتمنى ان يصبح لبنان كله على صورة هذه البلدة. الدولة غابت طويلاً عن الجنوب ولكن اليوم نريد لهذه المنطقة ان تعود الى الدولة، ونحن كلنا سعيدون ان يبقى الجيش على قدر مسؤولياته في الجنوب، ولكن بسط السيادة يتم ليس فقط من خلال الجيش بل القانون والمؤسسات وماذا تقدم للناس من حماية اجتماعية وخدماتية». وفي كفرشوبا (قضاء حاصبيا الواقعة عند مثلث الحدود اللبنانية – السورية – الفلسطينية) اقيم استقبال حاشد لسلام من أهالي منطقة العرقوب. وقال سلام: «كفرشوبا هي عنوان الصمود، ونعرف تماماَ ما عاناه أهل العرقوب من عدوان وحرمان وإهمال على مدى سنوات طويلة، ولهم حقوق ثابتة على الدولة اللبنانية». المصدر: الراي