يمثل العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين ذروة التحول الهيكلي في طبيعة الاقتصاد العالمي، حيث شهدت الأسواق المالية ما يمكن وصفه بـ "الانقلاب الاقتصادي". في هذا المشهد الجديد، تراجعت هيمنة الأصول المادية (مصانع، معدات، عقارات) كمحرك أساسي للقيمة، لتنتقل السلطة إلى الأصول غير الملموسة (براءات الاختراع، العلامات التجارية، البيانات الضخمة، الخوارزميات، ورأس المال التنظيمي). وبالنسبة للمستثمر، فإن فهم تحول القيمة وهجرة الثروة من "الملموس" إلى "المفكر فيه" ليس مجرد ترف أكاديمي، بل هو ضرورة استراتيجية لتقييم المخاطر والفرص، عبر معرفة كيفية إتاحة براءات الاختراع والبيانات في الأسواق الأمريكية والأوروبية. رأسًا على عقب - كشفت دراسة شركة الأبحاث "أوشن تومو" أن الأصول غير الملموسة تشكل 92% من قيمة شركات مؤشر "إس آند بي 500" لعام 2025، مقابل 17% عام 1975، ما يؤكد أن الابتكار أصبح المعيار الذهبي لتقييم القدرة التنافسية للشركات. نمو الأصول غير الملموسة في الاقتصاد الأمريكي عبر خمسة عقود السنة الأصول المادية الأصول غير الملموسة طبيعة الاقتصاد المهيمن 1975 83 % 17 % الاقتصاد الصناعي التقليدي 1985 68 % 32 % بداية عصر الحوسبة 1995 32 % 68 % ثورة الإنترنت والمعلومات 2005 20 % 80 % عولمة الخدمات والبرمجيات 2015 16 % 84 % اقتصاد المنصات والهواتف الذكية 2025 8 % 92 % اقتصاد الذكاء الاصطناعي والبيانات الفجوة المحاسبية - تعجز المعايير المحاسبية التقليدية عن حصر الأصول الفكرية "المولدة داخلياً" لصعوبة تقييمها موضوعياً، ما يؤدي لاستبعادها من الميزانيات العمومية. ويخلق هذا الاستبعاد فجوة بين القيمة الدفترية والسوقية، حيث تمتلك الشركات أصولًا مادية بسيطة (الواقع المحاسبي) بينما تكمن قوتها الحقيقية في ابتكارات خفية (الواقع الاقتصادي). البحث عن الحقيقة - يضطر المحللون الماليون إلى القيام بـ "تعديلات" لفهم الأداء الحقيقي للشركة، كإضافة نفقات البحث والتطوير إلى الميزانية كأصل ليحسب العائد الحقيقي على الاستثمار. وكذلك استخدام "مضاعف القيمة الدفترية" لتقدير الأصول الفكرية المستبعدة محاسبياً. فضلًا عن التركيز على "التدفقات النقدية الحرة" كبديل أكثر مصداقية من الأرباح الدفترية لتقييم قدرة الشركة الحقيقية على توليد القيمة والنمو. نموذج كوالكوم - تعتبر كوالكوم الأمريكية النموذج المعياري في الاقتصاد العالمي لكيفية تحويل براءات الاختراع إلى محرك هائل للتدفقات النقدية. حيث تتبع الشركة استراتيجية تفصل بين ذراعيها الإنتاجية والفكرية، ما يسمح لها بالاستفادة من الأصول غير الملموسة بفاعلية قصوى، لأنها تجني رسومًا من كل جوال ذكي يُباع عالمياً، ما يحول الملكية الفكرية إلى تدفقات نقدية مستمرة. حققت "كوالكوم" إيرادات تتجاوز 44 مليار دولار في السنة المالية 2025 (+14%)، منها 38.4 مليار دولار كمبيعات للأصول المادية بهامش ربح قبل الضريبة 30%، بينما بلغت مبيعاتها من الأصول غير الملموسة 5.6 مليار دولار، لكن بهامش ربح مرتفع جداً يبلغ 72%. استراتيجية كوكاكولا - تُعد "كوكاكولا" المثال الأبرز في السوق العالمية لكيفية بناء "خندق اقتصادي" (Economic Moat) يعتمد كلياً على الأصول غير الملموسة. حيث تعتمد ما يُعرف بالنموذج "خفيف الأصول"، فبدلاً من امتلاك وتشغيل كافة مصانع التعبئة وأساطيل التوزيع حول العالم، تركز "كوكاكولا" على إنتاج "مركز المشروب" وبيع براءات اختراع العلامة التجارية للمعبئين المستقلين. هذا التوجه أدى إلى: هوامش تشغيل مرتفعة: تفوق "كوكاكولا" منافسيها مثل "بيبسيكو" (التي تمتلك سلاسل توزيع أوسع) من حيث صافي الربح رغم أن إيرادات "بيبسي" قد تصل إلى ضعف نظيرتها لدى "كوكاكولا". قوة تسعير: العلامة التجارية القوية تسمح برفع الأسعار لتعويض التضخم دون التأثير الكبير على حجم المبيعات، ما يُمكنها من تجاوز فترات الركود الاقتصادي بفاعلية، وبالتالي تعزيز موثوقيتها كاستثمار طويل الأجل. بيانات ثمينة - قدمت شركة "يونايتد إيرلاينز" دراسة حالة حول كيفية تقييم الأصول غير الملموسة واستخدامها كضمانات للقروض في أوقات الأزمات. فلم يعد برنامج الولاء "MileagePlus" مجرد أداة تسويقية، بل أصبح "بنكاً للبيانات" يولد قيمة تفوق أحياناً قيمة الشركة الأم، حيث يضم بيانات أكثر من 100 مليون عضو. وفي عام 2020، ووسط الانهيار الذي أصاب قطاع السفر بسبب الجائحة، احتاجت الشركة لسيولة ولم تسعفها الطائرات (الأصول المادية) فرهنت برنامج الولاء الخاص بها (يمثل حوالي 12% من إجمالي الإيرادات) كضمان لقرض بـ 5 مليارات دولار. معادلة التقييم: تم ضرب أرباح البرنامج قبل الفوائد والضرائب والإهلاك والاستهلاك (EBITDA) لعام 2019 بمضاعف قدره 12 مرة، لتتفوق بياناتها على قيمة طائراتها. النموذج الأوروبي - تحولت "ساب" إلى "ماكينة أرباح" مستدامة بجعل 81% من دخلها اشتراكات لخدمات حوسبة سحابية متكررة. أما "أليانز"، فقد حولت سمعتها في الاستدامة إلى مغناطيس مالي يدير 222 مليار يورو، محولةً "الالتزام الأخلاقي" إلى أصل استراتيجي يجذب أضخم رؤوس الأموال العالمية. المستثمر المؤسسي - تؤكد أبحاث "بلاك روك" أن الشركات ذات المستوى العالي من "رأس المال التنظيمي" -وهو المعرفة والخبرة المتراكمة في أنظمة وبرامج الشركة- تكون أكثر كفاءة في إدارة استثمارات العمالة. حيث يعمل هذا النوع من الأصول غير الملموسة كحاجز ضد تقلبات السوق ويزيد من الميزة التنافسية للشركة. المخاطر وفجوة الحماية - تمثل السرقة الفكرية والاختراقات السيبرانية تهديداً مباشراً لـ 92% من قيمة الشركات، ما يتطلب حوكمة بيانات صارمة وتأميناً متخصصاً، ولذلك يجب على المستثمرين تقييم "فجوة الحماية" للأصول غير الملموسة، حيث إن 19% منها فقط مؤمن عليه عالمياً، في مقابل التأمين على الأصول المادية بنسبة 60%. وأبلغت 56% من المنظمات عن تعرضها لاختراقات أمنية أو سرقة بيانات كبيرة في العامين الماضيين، مما يهدد جوهر قيمتها السوقية. كما تقدر الخسارة القصوى المحتملة للأصول غير الملموسة بأنها أعلى بنسبة 37% من الأصول المادية. كيف نستثمر بنجاح؟ - إن النجاح في الاستثمار العالمي اليوم يتطلب عقلية تهتم بتحليل ما لا تظهره الميزانيات أكثر من تحليل ما تظهره، لأن الشركات التي تنجح في تحويل المعرفة إلى بيانات، ثم البيانات إلى تدفقات نقدية، هي التي ستواصل الهيمنة على مؤشرات الأسواق العالمية في العقود القادمة. وفي عالم أصبحت فيه "أميال السفر" أغلى من الطائرات، و"نكهة المشروب" أثمن من مصانع تعبئته.. ما الشركة -العالمية أو المحلية- التي تمتلك اليوم "كنزاً مخفياً" من البيانات أو الأفكار لم ينتبه لقيمته الحقيقية أحد حتى الآن؟ المصادر: أرقام - أوشن تومو – كوالكوم – كوكاكولا – إس إي سي (هيئة الأوراق المالية والبورصات) – بلاك روك – إيفرج – إس إيه بي – إيه أوه إن – ديلويت – براند فاينانس – فيوتشروم جروب – إنتليكتيا – ذا موتلي فول – بارتشارت – هابي ريووردز – سيمبل فلاينج – أفييشن نيوز أونلاين.