نورة الخيّال مع إسدال ستار أيام الشارقة التراثية في دورتها الاستثنائية، تُطوى صفحة عامٍ حافلٍ بالمشاهد الثقافية والإنسانية التي ازدانت بها الساحات، بما حملته من تنوّع في الفعاليات، وقوة في الحضور الإعلامي، وثراء في الموروثات، واتساع في المشاركة المجتمعية. تفاعل الجمهور مع المسابقات والأنشطة بروحٍ محبة، فكان المشهد احتفالاً حيّاً بالهوية، وملتقى تتقاطع فيه الذاكرة مع الحاضر في صورةٍ نابضة ومتجددة.وفي أروقة الفعالية، تنقّلت عيون الأطفال بين الأركان، تقترب من الحِرَف، وتصغي للحكايات، وتتعرّف إلى ما كان الآباء والأجداد يعملون له ويسعون إليه. حضورهم منح المشهد امتداداً حيّاً لمسيرة الوعي بالموروث، وبذرة معرفة تنمو في الذاكرة لتُبقي الصلة متينة بين الأجيال، وتستمر الحكاية في تفاصيل الحياة اليومية، حيث يتعلّم الصغار القيم والمهارات وأثر الإنسان في بيئته ومجتمعه.وتعود إلى الأذهان تلك المقولة التي رافقتنا على مقاعد الدراسة: «زرعوا فأكلنا ونزرع فيأكلون»، وبدت اليوم أكثر حضوراً في هذا الحدث الثقافي الكبير في الإمارة الباسمة؛ فقد أثمر ما غُرس في الماضي وعياً وانتماءً واعتزازاً، ويكبر ما يُزرع اليوم في نفوس الأطفال ليحفظ الموروث ويصون الذاكرة ويمنح الهوية امتداداً مستمراً.وكانت جمهورية البرتغال ضيف شرف الدورة، حاملةً ثقافتها الممزوجة بتاريخٍ طويل من التلاقي مع الثقافة العربية، في احتفاءٍ بمرور خمسين عاماً على العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، فبدت مشاركتها مساحة حوارٍ بصري وثقافي أعاد قراءة المشتركات الحضارية بروحٍ معاصرة. كما حضرت الصين بضيافة مميزة في قلب الشارقة، عارضةً ملامح من فنونها ومتاحفها وآدابها وثقافتها، لتضيف إلى المشهد بُعداً إنسانياً يؤكد أن التراث جسرٌ مفتوح بين الشعوب، وأن الشارقة تظل منصّة لقاءٍ تتجاور فيها الحضارات وتتقاطع عندها الحكايات، حاملةً في جعبتها تنوّعاً يُثري المشهد ويمنحه امتداداً يتجاوز حدود المكان والزمان.وبرئاسة د.عبد العزيز المسلم، رئيس معهد الشارقة للتراث، الذي يُعد قامةً ثقافية بامتياز ورجلَ تراثٍ من الطراز الأول، مضت «أيام الشارقة التراثية» في مسارها الواثق، مستندةً إلى رؤيةٍ تؤمن بأن التراث مشروعُ عملٍ متواصل، تُصان به الهوية وتُبنى به جسور المعرفة بين الأجيال. وقد بدا حضوره الفكري والثقافي واضحاً في تفاصيل الحدث، من تنوّع برامجه واتساع مشاركاته، إلى تكامل رسالته التي تؤكد أن صون الموروث مسؤولية مشتركة، وأن الاستثمار في الثقافة استثمار في الإنسان والمستقبل.وهكذا تُطوى صفحة هذا العام من احتفاليةٍ إنسانيةٍ ثقافيةٍ جامعة، يبقى أثرها راسخاً في القلوب التي ألفت مواسم التراث وحفظت تفاصيله في الذاكرة. تستمر الحكاية في وجدان المكان والناس، وتظل الشارقة فضاءً يحتفي بالموروث ويجدّد حضوره عاماً بعد عام، لتبقى الهوية متوهجة، والمواسم المقبلة أكثر إشراقاً واتساعاً.