ملخص المقال يؤكد تقرير بنك المغرب لعام 2025 وجود فجوة بين المؤشرات الاقتصادية الكلية الإيجابية والواقع المعيشي للمواطنين، حيث تظل البطالة وضعف مشاركة القوى العاملة تحديات هيكلية مقلقة. ويدعو التقرير إلى تجاوز لغة الأرقام نحو تبني رؤية استراتيجية تحول التشخيص إلى سياسات عمومية ناجعة، مع التركيز على تفعيل دور القطاع الخاص ومعالجة الفوارق الاجتماعية والمجالية، مشدداً على أن المرحلة المقبلة تتطلب حلولاً عملية ملموسة تضمن انعكاس النمو على جودة حياة المواطن قبل أن تصبح الأرقام حكماً على فشل السياسات. بقلم: نجيب الأضادي ليس أخطر ما في تقرير بنك المغرب لسنة 2025 هو كثافة الأرقام، بل الرسائل العميقة التي تحملها تلك الأرقام. فالتقرير، الذي قدمه والي بنك المغرب عبد اللطيف الجواهري إلى جلالة الملك، لا يكتفي بتشخيص الوضع الاقتصادي، بل يقدم إنذارا هادئا وصريحا بشأن تحديات التنمية في المغرب. لقد حقق الاقتصاد الوطني نموا أفضل، وتراجعت الضغوط التضخمية، وتحسنت احتياطيات العملة الصعبة، وواصلت السياحة والاستثمارات الأجنبية تسجيل نتائج إيجابية. لكن هذه المؤشرات الإيجابية تخفي مفارقة كبيرة: المواطن لا يشعر بالتحسن بنفس الدرجة التي تعكسها المؤشرات الاقتصادية. وهنا يكمن جوهر التقرير. فالتقرير يؤكد أن سوق الشغل ما يزال الحلقة الأضعف؛ إذ بلغ معدل البطالة 13%، بينما يوجد ملايين الشباب خارج التعليم والتكوين وسوق العمل. كما أن أقل من أربعة أشخاص من أصل عشرة في سن العمل يمارسون نشاطاً اقتصادياً، وهو مؤشر مقلق لأي اقتصاد يسعى إلى تحقيق الإقلاع. ويضيف التقرير أن الاستثمار العمومي، رغم أهميته، لن يكون كافياً مستقبلا إذا لم يتولَّ القطاع الخاص دوراً أكبر في خلق الثروة وفرص الشغل. كما يحذر من استمرار الفوارق الاجتماعية والمجالية، ومن ضعف استهداف الدعم العمومي، ومن الضغوط المتزايدة على المالية العمومية، إضافة إلى تحديات الماء والطاقة والتغيرات المناخية. إنها ليست مجرد أرقام، بل خريطة طريق مليئة بالأسئلة الصعبة. وهنا يبرز السؤال الحقيقي: من يملك القدرة على قراءة هذه الأرقام قراءة استراتيجية، وتحويلها إلى سياسات عمومية ناجعة وحلول عملية؟ فقراءة تقارير بهذا الحجم ليست مهمة السياسي الذي يبحث عن شعار انتخابي، ولا الإداري الذي يكتفي بتدبير اليومي، بل تحتاج إلى كفاءات تمتلك رؤية اقتصادية واستراتيجية، قادرة على الربط بين المؤشرات والواقع، وبين التشخيص والإصلاح. إن المرحلة المقبلة لن تكون مرحلة إنتاج الخطابات، بل مرحلة إنتاج الحلول. فالتحديات أصبحت معقدة، والرهان لم يعد فقط تحقيق النمو، وإنما جعل المواطن يشعر بثماره في التشغيل، والتعليم، والصحة، والعدالة الاجتماعية، وجودة الحياة. إن تقرير بنك المغرب لسنة 2025 لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره وثيقة مالية فقط، بل باعتباره وثيقة استراتيجية ترسم أولويات المغرب خلال السنوات المقبلة، وتطرح سؤالاً كبيرا أمام صناع القرار: من يستطيع أن يقرأ الأرقام… قبل أن تحكم الأرقام على السياسات ؟ سؤال عريض لرئيس الحكومة المقبلة ؟