في ظهيرة يوم قائظ من يونيو عام 1994، في دالاس الأمريكية، حدّق "دييغو مارادونا" في كاميرا التلفزيون بعد ساعات قليلة من استبعاده من منافسات كأس العالم من قبل "فيفا" لثبوت تعاطيه مادة "الإيفيدرين" المنشطة.

في تصريحات يخالطها السخط والحزن قال أسطورة الأرجنتين: "قطعوا ساقي ولم يسمحوا لي بالدفاع عن نفسي، لم أتعاطَ أي منشطات، ولا أعرف ما حدث، أقسم أنني لم آخذ شيئًا، لكن يبدو أنهم لا يكترثون".
وفي تصريح آخر من البطولة نفسها، ادّعى "مارادونا" أن الاتحاد الدولي "ضربه بلا رحمة، وأجبره على اعتزال كرة القدم"، وزعم لاحقًا أن "فيفا" استغل شهرته لحشد الجماهير في الملاعب الأمريكية ثم تخلى عنه.
هذه الادعاءات لم يتم إثباتها، وصرح رئيس "فيفا" آنذاك "جواو هافيلانج" بأن "الحقائق الطبية لا تكذب"، وأن إجراءات مكافحة المنشطات لا تترك مجالًا يُذكر للتآمر.
لكن ما يمكن التحقق منه هو نقد "مارادونا" الأوسع نطاقًا، ففي عام 2018، بعد فوز الولايات المتحدة والمكسيك وكندا باستضافة مونديال 2026، حذر من أن المصالح التجارية الأمريكية ستعيد تشكيل اللعبة.
وقال: "سيقسمون المباراة إلى أربعة أشواط بدلًا من شوطين لعرض المزيد من الإعلانات، قارنوا ذلك، سترون أنهم لا يملكون شغفًا بكرة القدم، فالأمريكيون يريدون التقسيم لأغراض دعائية، سيلعبون مئة دقيقة كاملة".
ثم جاءت بطولة هذا العام لتثبت صحة ادعاءاته، لكنها كشفت أيضًا عن تحول أعمق في هيكل الرياضة التي لطالما وصفت بأنها "لعبة الفقراء" وتسليتهم المجانية.
بزنس كأس العالم
- خلص تحليل لـ "بلومبرج"، إلى أن "الولايات المتحدة غيّـرت شكل كأس العالم"، محولةً إياه إلى حدثٍ رياضي ضخم يتطابق مع "نموذج الرياضة الأمريكي"، بما في ذلك العروض الاستعراضية ونظام التسعير الديناميكي.

- أقر "فيفا" رسميًا فترتي استراحةٍ إلزاميتين لشرب الماء في كل مباراة، هذه الدقائق القصيرة أمنت لشبكة "فوكس" الأمريكية نحو 600 مليون دولار من الإيرادات الإضافية.
- في 18 يوليو، صرّح رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم "جياني إنفانتينو"، للاتحادات الأعضاء بأن إيرادات دورة 2023-2026 ستتخطى 15 مليار دولار، متجاوزةً بكثير الهدف المحدد قبل البطولة والبالغ 11 مليار دولار.
| عائدات فيفا خلال دورات كأس العالم |
| |||
| الدورة | إجمالي العائد (مليار دولار) | عائد البث (مليار دولار) | الرعاية والتسويق (مليار دولار) | |
| 2011-2014 | 4.80 | 2.4 | 1.6 | |
| 2015-2018 | 6.42 | 3.1 | 1.67 | |
| 2019-2022 | 7.57 | 3.43 | 1.8 | |
| 2023-2026 | +15.0 | 4.26 | 2.85 | |
- أدى توسيع البطولة لتشمل 48 فريقًا و104 مباريات (مقارنةً بـ 64 مباراة في نسخة 2022) إلى زيادة في فترات البث التلفزيوني، وعدد التذاكر، وفرص الرعاية.
- كانت الضيافة وبيع التذاكر المحرك الأكبر للنمو، حيث ارتفعت من حوالي 950 مليون دولار في عام 2022 إلى 3.1 مليار دولار متوقعة في عام 2026، مع حصول "فيفا" أيضًا على عمولات بنسبة 15% من كل من المشترين والبائعين في سوق إعادة البيع الرسمي.
- طرح "إنفانتينو" بالفعل فكرة توسيع كأس العالم 2030 لتشمل 64 فريقًا، على أن تُقام في إسبانيا والبرتغال والمغرب، بالإضافة إلى مباريات الذكرى المئوية في أوروغواي وباراغواي والأرجنتين.
- مع ذلك، تتزايد المخاوف بشأن سلامة اللاعبين، حيث حذر الاتحاد الدولي لمحترفي كرة القدم من أن مخاطر الإرهاق "تتزايد" في ظل الجدول الزمني المزدحم.
- حذرت شركة "ديلويت" بشكل منفصل من أن تكديس المزيد من المباريات في جدول مزدحم بالفعل قد يتسبب في "استقرار" إيرادات الأندية الأوروبية أو حتى انخفاضها في موسمي 2025-26 و2026-27.

الحضور الجماهيري
- استقطبت بطولة كأس العالم 2026 أكثر من 6.6 مليون متفرج عبر 104 مباريات، بمتوسط 65.4 ألف متفرج تقريبًا لكل مباراة، ومعدل إشغال 99.7%، محطمةً بذلك الرقم القياسي السابق. حضر المباراة النهائية 80.7 ألف متفرج.
- للمقارنة، استقطبت بطولة 2022 نحو 3.4 مليون متفرج بنسبة إشغال 96%، واستقطبت بطولة 2018 نحو 3 ملايين متفرج بنسبة إشغال 98.4%.
- بلغ إجمالي عدد المشاهدين العالميين في عام 2018 نحو 3.572 مليار مشاهد، منهم 1.12 مليار شاهدوا المباراة النهائية، فيما سجلت المباراة النهائية لبطولة 2022 نحو 1.5 مليار مشاهد.
- تشير تقديرات "فيفا" إلى أن عدد مشاهدي المباراة النهائية لبطولة 2026 يتجاوز 1.8 مليار مشاهد، ليصل إجمالي عدد مشاهدي البطولة إلى أكثر من 5 مليارات.
اقتصاد القمصان
- مع ارتداء كلا الفريقين المتأهلين للنهائي (إسبانيا والأرجنتين) قمصان "أديداس"، حققت العلامة التجارية الألمانية فوزًا تجاريًا حاسمًا، علاوة على بيعها أربعة أضعاف عدد القمصان وضعف عدد الكرات مقارنةً بكأس العالم السابقة، مما رفع توقعات المبيعات المتعلقة بالحدث إلى حوالي 1.5 مليار يورو.
- انخفضت حصة "نايكي" في السوق العالمية إلى 22.9% من 29.2% خلال فترة البطولة، فيما قفزت زيارات متاجر "أديداس" بنسبة 47% في الأسبوع الافتتاحي.
- تفوق سهم "أديداس" بالفعل على سهم "نايكي" قبل المباراة النهائية، وتوقع محللو مجموعة بورصة لندن نمو إيرادات "أديداس" بنسبة 6.8% خلال الفترة المرتبطة بالحدث مقابل انخفاض مبيعات "نايكي" بنسبة 1.7%.

التضخم في كرة القدم
- التضخم في كرة القدم آخذ في الازدياد بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة، وعوائد "فيفا" ليست سوى شكل واحد من أشكال التغول الرأسمالي في عالم "لعبة الفقراء"، والتي تقود سعر كل شيء للارتفاع.
- بلغت تكلفة انتقال "مارادونا" إلى نابولي عام 1984 نحو 12 مليون دولار، وهو مبلغ كان يُعتبر باهظًا آنذاك، فيما سجل انتقال "نيمار" في 2017 إلى باريس سان جيرمان 222 مليون يورو، وهو رقم لم يُحطم حتى الآن.
- "فيفا" ليس الوحيد المستفيد، إذ تجاوزت إيرادات كرة القدم الأوروبية 40 مليار يورو في موسم 2024-2025، ارتفاعًا من 38 مليار يورو في الموسم السابق، وحققت الدوريات الخمسة الكبرى فقط 21.6 مليار يورو.
- سجلت قائمة "ديلويت" لأكثر الأندية ربحية في كرة القدم أندية تجاوزت إيراداتها 12 مليار يورو لأول مرة، ليصبح ريال مدريد أول نادٍ يتجاوز مليار يورو في موسم واحد، وارتفعت قيمة النادي الملكي إلى 9.5 مليار دولار من 6.75 مليار دولار العام الماضي.
- تبلغ قيمة دورة حقوق البث المحلية والدولية للدوري الإنجليزي الممتاز للفترة 2025-2028 نحو 12.25 مليار جنيه إسترليني (15.3 مليار دولار)، بزيادة قدرها 17% عن الدورة السابقة.
المنصات تؤجج الفقاعة
- الشغف (الذي يرتقي لحد الهوس في بعض الحالات)، والذي يتجسد في تفاعل الجماهير مع صفحات الأندية والاتحادات الكروية، يساعد في تأجيج هذا التضخم، كونه يعكس حجم الشعبية الكبيرة التي تحظى بها اللعبة والفرق وحتى اللاعبون.
- أفاد الاتحاد الدولي لكرة القدم بأن تفاعلات الجماهير عبر وسائل التواصل الاجتماعي مع بطولة كأس العالم 2026 ارتفعت بنسبة 160%، ومرات ظهور المنشورات بنسبة 130%، ومشاهدات الفيديوهات بنسبة 485% مقارنةً بعام 2022.

هل كانت بطولة موجهة؟
- انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي مزاعم بأن جدول مباريات "فيفا" يُفضل الفرق ذات القيمة التجارية العالية، وغذت تعديلات الاتحاد الدولي نظرية المؤامرة بشأن "النهائي المخطط له مسبقًا" و"التنافسية غير العادلة".
- بالفعل أدخل "فيفا" نظامًا جديدًا في قرعة كأس العالم 2026 قبل أشهر من انطلاق البطولة، بهدف إبعاد أقوى المنتخبات عن بعضها حتى المراحل المتأخرة من المنافسة.
- أبرز تغيير هو أن إسبانيا (التصنيف الأول) والأرجنتين (الثاني) سيتم وضعهما في نصفين مختلفين من جدول البطولة، وفرنسا (الثالث) وإنجلترا (الرابع) سيتم وضعهما أيضًا في نصفين مختلفين.
- بالتالي، إذا تصدر كل منتخب مجموعته، فلن تواجه إنجلترا إسبانيا أو الأرجنتين إلا في نصف النهائي، ولن تواجه فرنسا الأرجنتين إلا في النهائي، وهو ما حدث بالفعل في النهاية، ما أثار تساؤلات حول عدالة المنافسة ولماذا لا تكون عشوائية على الجميع.
لم تعد كما كانت
- يمكن القول مجازًا إن بطولة كأس العالم 2026 رفعت شعار "لا للفقراء" لأنها ببساطة كانت الأغلى في التاريخ، وبلغ متوسط سعر التذكرة 913 دولارًا، ارتفاعًا من 425 دولارًا في بطولة 2022.
- وصل متوسط سعر تذكرة المباراة النهائية إلى 12751 دولارًا، حيث سجلت مقاعد المدرجات العلوية 4210 دولارات، ومقاعد الفئة الأولى المطلة على أرض الملعب 17200 دولار؛ فيما وصلت أسعار إعادة البيع إلى 2.3 مليون دولار.
- يتعارض ذلك مع عرض الولايات المتحدة الأصلي لاستضافة بطولة 2026 والذي وعد بأرخص التذاكر بسعر 21 دولارًا، وأفضل مقعد نهائي من الفئة الأولى بسعر 1550 دولارًا. ناهيك عن أن المشاهدة التلفزيونية أصبحت حكرًا على الشبكات مسبقة الدفع.

- على جانب آخر، انتقد لاعبون ومدربون سابقون فترات الراحة الإلزامية باعتبارها تدخلاً تجاريًا، ويرى اقتصاديون مثل "كيران ماغواير" من جامعة ليفربول أن "فيفا" لم يعد حاميًا للعبة.
- لا تزال كرة القدم الرياضة الأكثر شعبية في العالم، إذ يشاهدها أكثر من نصف السكان، لكن الفجوة بين المشهد الذي يستهلكه رأس المال العالمي واللعبة المتاحة لمجتمعات الطبقة العاملة التي خرجت من رحمها لم تكن يومًا أوسع مما هي عليه الآن.
- ربما لم تتحقق نبوءة "مارادونا" حرفيًا، لكن مونديال 2026 أثبت أنها تحققت تجاريًا على الأقل، وأن الرياضة الأكثر شعبية يعاد تشكيلها وأمركتها لتصبح "بقرة مدرة للدخل متاحة فقط لمن يدفع"، والأسوأ أنها ربما لم تعد تكترث بالمردود الرياضي أو العدالة التنافسية.
المصادر: أرقام- بلومبرج- بي بي سي- فوربس- فيفا- سي بي سي- رويترز- الإندبندنت- تي واي سي سبورتس- ياهو- الجارديان- سبورتس بزنس جورنال- بزنس إنسايدر- ديليويت- سبورتس برو- بندلوم- نيسلن- سي آي إس إس جورنال- لوس أنجلوس تايمز- مجموعة بورصة لندن
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة ارقام ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من ارقام ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
