في حين انتشر مقطع فيديو ساخر للمدافع الإسباني "مارك كوكوريلا" وهو يحمل مجسم كأس العالم داخل كيس بلاستيكي شفاف عقب تتويج إسبانيا باللقب الثاني في تاريخها، اختصر المشهد حالة من المفارقة الاقتصادية الصارخة. فهذه الصورة الطريفة لـ "أغلى كأس في العالم تُحمل كبضائع البقالة" تخفي خلفها تساؤلاً اقتصادياً ثقيلاً: هل حققت الولايات المتحدة مكاسب مالية حقيقية تتناسب مع زخم الاستضافة، أم أن الأرقام كشفت عن أوهام التحفيز الاقتصادي؟ هل حققت استضافة كأس العالم عوائد مالية مجدية للولايات المتحدة؟ تشير البيانات الاقتصادية إلى أن البطولة لم تحدث طفرة ملموسة في الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي مقارنة بتكاليف تنظيمها. أظهرت الأرقام الرسمية تباطؤا في نمو مبيعات التجزئة واستقرارًا في معدلات السياحة العامة خلال فترة تنظيم البطولة. كيف خابت توقعات الطفرة في سوق الوظائف الأمريكية؟ فقد قطاع الضيافة والترفيه نحو 61 ألف وظيفة خلال شهر يونيو، عكس التوقعات التي تنبأت بإضافة 185 ألف وظيفة. تراجع التوظيف في متاجر التجزئة العامة بنحو 5000 وظيفة خلال الشهر نفسه، ما كشف ضعف العائد المباشر على سوق العمل. ما هو حجم الفجوة بين تقديرات "فيفا" والواقع الاقتصادي؟ قدر "الفيفا" تكاليف تنظيم البطولة بنحو 13.9 مليار دولار، تحملت الولايات المتحدة منها 11.1 مليار دولار. توقع "الفيفا" تحقيق فوائد اقتصادية أمريكية بقيمة 30.5 مليار دولار، وهو ما لم تعكسه بيانات المؤشرات الاقتصادية حتى الآن. كيف أثرت البطولة على قطاع السياحة والسفر؟ سجلت السياحة الوافدة نموًا هامشيًا لم يتجاوز 0.2% في شهر يونيو مقارنة بالعام الماضي. انخفض عدد السياح القادمين من أوروبا بنسبة 1.2% ومن آسيا بنسبة 5.6%، رغم ارتفاع الزيارات من أفريقيا وجنوب أمريكا. ماذا أظهرت بيانات التضخم ومبيعات التجزئة لأسعار الخدمات؟ كشفت بيانات التضخم الأمريكية انخفاض أسعار الفنادق خلال يونيو بنسبة 2.8%، وهو ما يخالف التوقعات بارتفاع الطلب. بقيت أسعار تذاكر الطيران شبه مستقرة، بينما ارتفعت أسعار الترفيه بنسبة محدودة بلغت 0.5%. هل استفادت المدن المستضيفة على المستوى المحلي؟ سجلت الشركات الصغيرة في المدن المستضيفة نموا بالمبيعات بنسبة 4.1% مقابل 1.8% للمدن الأخرى، ما يشير إلى أن النشاط الاقتصادي تركز محليًا أكثر من انعكاسه على الاقتصاد الأمريكي ككل. تزامن انعقاد البطولة مع اندلاع حرب إيران، ما رفع أسعار المستهلكين وأضعف مستويات الطلب العام، ولذلك أدت التوترات الجيوسياسية وارتفاع التكاليف إلى تحييد المكاسب الاقتصادية المحتملة للمدن المضيفة. من هم الرابحون الأكبر مالياً من المونديال؟ حصد "الفيفا" إيرادات قياسية بلغت نحو 9 مليارات دولار من مبيعات التذاكر بحسب تقرير "بلومبرج إنتليجنس". جمع "الفيفا" نحو 1.1 مليار دولار إضافية من حقوق البث التلفزيوني في أمريكا عبر شبكتي "فوكس" و"تيليموندو". نهاية المطاف تكشف البيانات الاقتصادية لمونديال 2026 أن المكاسب المباشرة للأحداث الرياضية الكبرى غالباً ما تكون مدفوعة بتوقعات متفائلة لا تتطابق مع الأرقام الفعلية للناتج المحلي. وفي حين ذهبت الأرباح الصافية الحقيقية للهيئات المنظمة والأندية، تبقى القيمة الحقيقية للاستضافة متمثلة في العوائد الاجتماعية غير المادية والزخم الثقافي، تماما كما تذكرنا صورة "كوكوريلا" بأن رمزية الفوز لا تقاس دائما بقيمتها المادية. على أي حال، يصعب تحديد حجم الإنفاق الإضافي الناتج عن البطولة، كما يصعب احتساب خسائر الإنتاجية الناتجة عن ازدحام الطرق أو متابعة المباريات خلال ساعات العمل، مقابل المكاسب التي حققتها القطاعات المرتبطة بالبطولة. ويبقى الجدل مثارًا:هل تُقاس قيمة كأس العالم بما تضيفه إلى الناتج المحلي، أم بما تتركه في ذاكرة الشعوب؟ المصادر: أرقام – سي إن إن - هولا