على مدار عقود، كانت الولايات المتحدة لا تعتمد على قوتها العسكرية أو الاقتصادية وحدهما، بل على عنصر أقل ظهورًا وأكثر تأثيرًا: الثقة. فكان تصريح واحد يصدر عن الرئيس قادرًا على تحريك الأسواق، وإعادة رسم حسابات الحلفاء، ودفع الخصوم إلى إعادة تقييم مواقفهم، لكن في عهد "دونالد ترامب"، بدأت هذه المعادلة تتغير تدريجيًا، فمع تكرار التصريحات المتناقضة، والسياسات المتقلبة، والاعتماد على التهديدات بوصفها أداة للتفاوض، لم يعد السؤال يدور حول ما ستفعله واشنطن، بل حول ما إذا كان العالم لا يزال يصدقها. التصريحات الأمريكية منذ ولايته الأولى، أكد الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" أن الولايات المتحدة تحظى باحترام غير مسبوق، إلا أن ولايته الثانية جاءت وسط مؤشرات متزايدة على تراجع الثقة في القيادة الأمريكية. وخلال الأشهر الأولى من ولايته، اعتادت الإدارة الأمريكية إصدار تصريحات ثم التراجع عنها أو تعديلها بعد ساعات أو أيام، سواء في ملفات التجارة أو السياسة الخارجية، وأدى هذا التذبذب إلى تراجع قدرة الحكومات والأسواق على التعامل مع التصريحات الأمريكية باعتبارها مؤشرات مستقرة على توجهات السياسة. ولم يعد هذا التذبذب مقتصرًا على التصريحات العامة، بل ظهر حتى في الملفات الجيوسياسية الحساسة، فعلى سبيل المثال، بعدما انتقد "ترامب" ومسؤولوه مرارًا سعي إيران إلى فرض رسوم على عبور مضيق هرمز، اقترح الرئيس أن تتولى الولايات المتحدة حماية المضيق وفرض رسوم على جميع السفن العابرة، قبل أن يتراجع عن خطته في اليوم التالي. ولم يقتصر الأمر على السياسة الخارجية، إذ امتد إلى الداخل الأمريكي أيضًا، إذ شكك "ترامب" مؤخرًا في نزاهة الانتخابات الأمريكية، رغم أن الوثائق التي نشرتها إدارته لم تدعم أكثر ادعاءاته حدة، وبينما أكد أن هدفه تعزيز ثقة المواطنين في النظام الانتخابي، رأى منتقدوه أن خطابه ساهم في تقويض تلك الثقة. تآكل الثقة انعكس هذا التحول بوضوح في استطلاعات الرأي الدولية، فوفقًا لمركز بيو للأبحاث، الذي شمل أكثر من 42 ألف شخص في 36 دولة بين فبراير ومايو، أصبحت الصين تحظى بنظرة إيجابية تفوق الولايات المتحدة في غالبية الدول المشاركة، وهي المرة الأولى منذ بدء الاستطلاع عام 2002 التي تظهر فيها هذه الفجوة. كما أظهر الاستطلاع أن 23% فقط من المشاركين يثقون في قدرة "ترامب" على اتخاذ القرارات الصحيحة في الشؤون الدولية، بينما أعرب نحو ثلثي المشاركين عن ثقة ضئيلة أو معدومة. كما أظهر استطلاع أجرته مجلة "الإيكونوميست" بالتعاون مع "يوجوف" أن غالبية الأمريكيين أنفسهم غير راضين عن أداء "ترامب" في إدارة شؤون البلاد، في إشارة إلى أن أزمة الثقة لم تعد تقتصر على الخارج. شعوب معظم دول العالم لا تثق بـ "ترامب" في الشؤون الدولية (نتائج المسح لبعض الدول) الدولة غير واثقون واثقون تركيا %92 %6 السويد %89 %11 المكسيك %88 %11 باكستان %82 %12 ماليزيا %87 %13 أمريكا أولاً لم تكن هذه الفجوة وليدة الصدفة، بل جاءت نتيجة مباشرة لنهج تجاري وصدامي، بدأ بفرض تعريفات جمركية باهظة وتقليص برامج المساعدات، مرورًا بالتهديد بالتخلي عن حلفاء "الناتو"، واستعداء المؤسسات الدولية، والخطابات العدائية تجاه الشركاء، ووصولاً إلى التصعيد مع إيران، الذي أربك أسواق الطاقة. وقد أسهم هذا المزيج في تعزيز صورة الرئيس الصيني "شي جين بينغ" لدى بعض الدول مقارنة بنظيره الأمريكي، رغم أن الصين ليست نموذجًا مثاليًا، لكنها أتقنت توظيف خطاب "التعاون" و"الربح المتبادل" في وقت بدت فيه واشنطن منشغلة بخطاب المواجهة. ورغم استمرار المخاوف العالمية من تزايد هيمنة الصين، فإن كثيرًا من الدول، ولا سيما متوسطة الدخل، أصبحت تعتبر الصين شريكًا أكثر موثوقية من الولايات المتحدة، ومع ذلك، لا تزال دول مثل اليابان والهند وكوريا الجنوبية والفلبين تنظر إلى واشنطن بإيجابية أكبر، ويرتبط ذلك باعتبارات أمنية ونزاعاتها الإقليمية مع بكين. ويشير هذا التحول إلى أن النفوذ الدولي لا يعتمد فقط على القوة الاقتصادية أو العسكرية، بل أيضًا على القدرة على بناء الثقة والحفاظ على اتساق الرسائل السياسية. لكن تراجع الثقة العالمية في واشنطن قد لا ينتهي بمجرد مغادرة "ترامب" البيت الأبيض عند نهاية ولايته، فالتاريخ يظهر أن استعادة المصداقية الدولية تستغرق وقتًا أطول بكثير من فقدانها. فعلى الرغم من التحسن الكبير في مكانة أمريكا العالمية في الفترة من رئاسة "جورج دبليو بوش" إلى "باراك أوباما"، فإن واشنطن لم تستطع استعادة المكانة التي تمتعت بها في تسعينيات القرن الماضي، ما يعني أن إعادة بناء الثقة قد تكون المهمة الأصعب لأي إدارة أمريكية مقبلة. المصادر: أرقام - مركز "بيو" للأبحاث – الجارديان - "فورن أفيرز"- "يوجوف" – فاينانشال تايمز