لم يعد السؤال الذي يشغل الشباب اليوم هو: «ما الوظيفة الأعلى راتباً؟»، بل أصبح: «ما المهنة التي تمنحني مستقبلاً آمناً، ومرونة في العمل، ومعنى حقيقياً لما أقوم به؟». فمع دخول جيل «زد» إلى سوق العمل بوتيرة متسارعة، تتغير قواعد اللعبة التي حكمت التوظيف لعقود.
ولم تعد الشركات تتنافس فقط على تقديم الرواتب، بل أصبحت مطالبة بتوفير بيئة عمل مرنة، وفرص للتعلم، ورسالة يشعر الموظف بأنها تتجاوز حدود تحقيق الأرباح.
يضم جيل «زد» المولودين تقريباً بين عامي 1997 و2012، وهو أول جيل نشأ في عالم رقمي بالكامل، وعاصر أزمات اقتصادية متلاحقة وجائحة عالمية، ثم شهد الانفجار السريع للذكاء الاصطناعي.
هذه التجارب صنعت جيلاً أكثر واقعية في قراراته المهنية، وأكثر ميلاً إلى الاستقلالية، وأقل اقتناعاً بالنموذج التقليدي للوظيفة الممتدة طوال الحياة. لذلك لم تعد اختياراته المهنية مجرد انعكاس لاهتماماته، بل أصبحت مؤشراً مبكراً على شكل سوق العمل خلال السنوات المقبلة.

لماذا تختلف اختيارات جيل «زد»؟
يرى خبراء التوظيف أن هذا الجيل يتعامل مع الوظيفة بطريقة مختلفة تماماً عن الأجيال السابقة. فالتكنولوجيا بالنسبة إليه ليست أداة جديدة، بل جزء طبيعي من حياته اليومية، ما جعله أكثر وعياً بسرعة تغير المهارات المطلوبة في سوق العمل.
كما أن الذكاء الاصطناعي عزز هذا الإدراك، إذ بات كثير من الشباب يفضلون المهن التي تعتمد على هذه التقنية أو يصعب استبدال الإنسان فيها بالآلات، بدلاً من الوظائف الروتينية المهددة بالأتمتة.
وفي المقابل، لعبت الأزمات الاقتصادية دوراً محورياً في تشكيل أولوياتهم. فقد شاهد كثير منهم تأثير الأزمة المالية العالمية عام 2008 على أسرهم، ثم واجهوا اضطرابات جائحة «كوفيد-19»، ما جعل الأمان المالي والقدرة على التكيف مع التغيرات الاقتصادية من أهم معايير اختيار الوظيفة.
وتشير بيانات حديثة إلى تراجع إعلانات الوظائف الموجهة للمبتدئين الذين يمتلكون خبرة تتراوح بين صفر وسنتين بنحو 29 نقطة مئوية منذ مطلع 2024، وهو ما جعل دخول سوق العمل أكثر صعوبة، ودفع الشباب إلى البحث عن طرق بديلة لاكتساب المهارات أو إطلاق مشاريعهم الخاصة.
الراتب وحده لم يعد كافياً
ورغم استمرار أهمية الدخل، فإن جيل «زد» لم يعد ينظر إلى الراتب باعتباره العامل الوحيد في القرار المهني.
بحسب استطلاعات دولية، يرى نحو 89% من أبناء هذا الجيل أن الشعور بوجود هدف ورسالة في العمل يمثل عنصراً أساسياً في الرضا الوظيفي، بينما يعد التوازن بين الحياة والعمل المعيار الأول عند اختيار جهة التوظيف.
كما يؤكد عدد كبير منهم أنهم قد يرفضون عروضاً مالية مغرية إذا كانت الشركة لا توفر مرونة في ساعات العمل أو لا تتوافق ثقافتها مع قيمهم الشخصية.
لذلك أصبحت الوظائف التي تجمع بين الدخل الجيد والمرونة والهدف الواضح الأكثر جاذبية لهذا الجيل.
التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في الصدارة
ليس من المستغرب أن تتصدر وظائف التكنولوجيا قائمة اهتمامات جيل «زد»، إذ ينظر إليها باعتبارها الأكثر قدرة على مواكبة المستقبل.
وتشمل أبرز هذه الوظائف تطوير البرمجيات، وتحليل البيانات، والذكاء الاصطناعي، وتعلم الآلة، وهي مجالات تشهد نمواً متسارعاً في مختلف القطاعات.
ولا يقتصر اهتمام الشباب على العمل في هذه المجالات، بل يمتد إلى تعلم أدوات الذكاء الاصطناعي واستخدامها لتطوير مهاراتهم. وتشير البيانات إلى أن ثلاثة أرباع أبناء الجيل يستخدمون تطبيقات الذكاء الاصطناعي لتعلم مهارات جديدة، وهي نسبة تفوق جميع الأجيال الأخرى.
ويعكس ذلك قناعة متزايدة بأن المستقبل سيكون لمن يجيد التعامل مع الذكاء الاصطناعي، وليس لمن يحاول منافسته.
القطاع المالي يحتفظ بجاذبيته
ورغم الصورة الشائعة بأن الشباب يبتعدون عن القطاعات التقليدية، فإن الخدمات المالية لا تزال من أكثر المجالات استقطاباً لهم.
فالعمل في المصارف الاستثمارية، والتحليل المالي، والمحاسبة، وإدارة الامتثال يوفر مسارات مهنية واضحة، ورواتب مرتفعة، وفرصاً كبيرة للتطور الوظيفي.
وتزداد أهمية هذه المزايا في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة، إذ يبحث كثير من الشباب عن وظائف تضمن لهم الاستقرار المالي على المدى الطويل.
كما تمنح المهارات المالية أصحابها قدرة على الانتقال بين قطاعات مختلفة، وهو ما يزيد من جاذبيتها في سوق عمل سريع التغير.

الرعاية الصحية تجمع بين الرسالة والاستقرار
لا تزال الوظائف الصحية تحافظ على مكانتها بين أكثر المهن جذباً لجيل «زد»، رغم هيمنة التكنولوجيا على اهتماماته.
ويعود ذلك إلى الجمع بين عنصرين أساسيين يبحث عنهما الشباب، هما الأمان الوظيفي والشعور بأن العمل يحدث أثراً إيجابياً في حياة الآخرين.
وتبرز ضمن هذه المجالات التمريض، والدعم النفسي، وتقنيات الصحة الرقمية، وخدمات الطب عن بُعد، التي تجمع بين التكنولوجيا والخدمة الإنسانية في آن واحد.
ويُتوقع أن يواصل هذا القطاع نموه خلال السنوات المقبلة مع توسع استخدام الحلول الرقمية في تقديم الخدمات الصحية.
الاقتصاد الإبداعي يفتح أبواباً جديدة
من أبرز التحولات التي أحدثها جيل «زد» تحويل صناعة المحتوى إلى مسار مهني متكامل. فإدارة منصات التواصل الاجتماعي، وإنتاج الفيديو، والتصميم الجرافيكي، وصناعة المحتوى الرقمي أصبحت وظائف حقيقية تحقق دخلاً مرتفعاً لكثير من الشباب.
ويرجع ذلك إلى أن هذا الجيل نشأ مع منصات مثل «يوتيوب» و«إنستغرام» و«تيك توك»، ما أكسبه خبرة عملية في صناعة المحتوى منذ سنوات الدراسة.
ومع ذلك، يدرك كثير من الشباب أن الذكاء الاصطناعي بدأ يؤدي بعض المهام الإبداعية، لذلك يتجهون إلى الأعمال التي تعتمد على التفكير النقدي، والابتكار، والذكاء العاطفي، وهي مهارات يصعب استبدالها بالآلات.
عودة قوية للمهن الحرفية
من أكثر الاتجاهات إثارة للاهتمام تزايد اهتمام جيل «زد» بالمهن الحرفية والتقنية، بعد سنوات من تراجع الإقبال عليها.
أصبحت أعمال مثل الكهرباء، والميكانيكا، والإنشاءات، والصيانة الفنية أكثر جاذبية، لأنها توفر دخلاً مرتفعاً، وطلباً مستقراً، ولا تتطلب ديوناً دراسية كبيرة، كما أنها أقل عرضة للاستبدال بالذكاء الاصطناعي.
وتشير استطلاعات إلى أن نسبة كبيرة من العاملين الشباب في المكاتب تفكر في الانتقال إلى هذه المهن، بينما بدأ بعضهم بالفعل هذا التحول.
ويعكس ذلك تغيراً في النظرة إلى الوظائف المهنية، التي أصبحت تمثل خياراً عملياً ومستقبلياً وليس مجرد بديل للوظائف المكتبية.
ريادة الأعمال والعمل الحر
يعد الميل إلى إنشاء المشاريع الخاصة من أبرز سمات جيل "زد". فبدلاً من انتظار الوظيفة التقليدية، يتجه عدد متزايد من الشباب إلى إطلاق أعمالهم الخاصة أو العمل المستقل، سواء في التجارة الإلكترونية أو تطوير التطبيقات أو تقديم الخدمات الرقمية.
وتشير البيانات إلى أن واحداً من كل خمسة تقريباً بدأ بالفعل مشروعاً جانبياً أو شركة ناشئة في بداية حياته المهنية، فيما يستخدم آخرون مواقع إلكترونية أو تطبيقات من تطويرهم لعرض مهاراتهم أمام أصحاب العمل.
ويعكس هذا الاتجاه رغبة واضحة في الاستقلالية وتنويع مصادر الدخل، بدلاً من الاعتماد الكامل على وظيفة واحدة.

ما الذي يحكم قراراتهم المهنية؟
هناك مجموعة من العوامل التي تؤثر بصورة مباشرة في اختيارات جيل "زد".
أول هذه العوامل هو الاستقرار المالي، خاصة في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة، إذ يرى معظم الشباب أن القدرة على مواجهة التضخم تتطلب دخلاً جيداً.
لكنهم في الوقت نفسه يرفضون التضحية بحياتهم الشخصية من أجل المال فقط، وهو ما يجعل المرونة عاملاً حاسماً عند اختيار الوظيفة.
كما يمنحون أهمية كبيرة لفرص التعلم المستمر، وبرامج التدريب، والإرشاد المهني، والمسارات الواضحة للترقي، لأنهم يفضلون اكتساب المهارات بسرعة بدلاً من البقاء سنوات طويلة في وظيفة لا توفر التطور.
ويحتل المعنى والهدف مكانة مركزية أيضاً، إذ يبحث الشباب عن وظائف يشعرون من خلالها بأنهم يساهمون في تحسين المجتمع أو البيئة أو حياة الآخرين.
كيف يفضل جيل «زد» العمل؟
بعكس الاعتقاد السائد، لا يفضل معظم أبناء هذا الجيل العمل عن بُعد بصورة كاملة.
فالغالبية تميل إلى النظام الهجين الذي يجمع بين العمل من المنزل والحضور إلى المكتب، لما يوفره من مرونة وفرص للتواصل مع الزملاء والحصول على التوجيه المهني.
كما يطالب الشباب بوجود مديرين يمكن الوصول إليهم بسهولة، وبرامج إرشاد تساعدهم على تطوير مسيرتهم المهنية.
وفي الوقت ذاته، أصبح امتلاك مصدر دخل إضافي جزءاً من أسلوب الحياة، إذ يجمع كثير منهم بين الوظيفة الأساسية والعمل الحر أو التجارة الإلكترونية أو صناعة المحتوى.

مستقبل الوظائف خلال السنوات المقبلة
يتوقع خبراء سوق العمل أن يشهد العقد المقبل نمواً كبيراً في الوظائف المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات، والطاقة المتجددة، وتقنيات الرعاية الصحية، إلى جانب استمرار الطلب على المهن الحرفية والوظائف الرقمية.
لكن القيمة الحقيقية لن تكون في المهارات التقنية وحدها، بل في الجمع بينها وبين المهارات الإنسانية مثل الإبداع، والتواصل، والقيادة، والتفكير النقدي، والذكاء العاطفي.
كما يتوقع أن يصبح المسار المهني المتعدد أكثر انتشاراً، بحيث يجمع الفرد بين وظيفة أساسية، وأعمال حرة، ومشروع خاص، بدلاً من الاعتماد على مسار وظيفي واحد طوال حياته.
وفي ضوء هذه التحولات، يبدو أن جيل «زد» لا يغير فقط طبيعة الوظائف التي يبحث عنها، بل يعيد تعريف مفهوم العمل نفسه، واضعاً المرونة، والتعلم المستمر، والاستقلالية، والهدف في قلب معادلة النجاح المهني. ومع استمرار تطور التكنولوجيا، ستكون المؤسسات الأكثر قدرة على استيعاب هذه التطلعات هي الأنجح في جذب المواهب والاحتفاظ بها خلال السنوات المقبلة.
المصدر: "آر كيه واي كارير"
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة ارقام ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من ارقام ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
