من مساحة إنسانية شديدة الخصوصية، بدأت الكاتبة الإماراتية، إيمان العليلي، رحلتها في عالم الأدب، حيث حوّلت تجربتها مع ابنها المصاب بالتوحّد إلى عمل روائي محمل بالرسائل الإنسانية، وانطلاقاً من انشغالها الدائم بالإنسان وهمومه، اتجهت أيضاً إلى مساحة أدبية مختلفة، لتكون من الإماراتيات الأُول اللواتي خضن الكتابة في مجال أدب الرعب، وتقول العليلي إنها وجدت في هذا النوع الأدبي نافذة للغوص في النفس البشرية وكشف هواجسها ومخاوفها، مقدمة أعمالاً ترى في الخوف أكثر من مجرد وسيلة للإثارة أو التشويق، بل ترى فيه مدخلاً لفهم الذات وغموضها.
ونصحت العليلي الكتّاب الشباب بالقراءة أكثر من الكتابة، وعدم البحث عن الشهرة قبل بناء الأدوات، لأن الكتابة كما تراها «مسؤولية قبل أن تكون موهبة، وعلى الكاتب أن يضيف فكرة، أو يغيّر وعياً، فالكاتب الحقيقي هو من يترك أثراً في حياة الآخرين».
فهم الإنسان
واستهلت الكاتبة إيمان العليلي حديثها مع «الإمارات اليوم» عن بدايتها في الكتابة، بقولها: «كانت علاقتي بالكتابة أسبق من فكرة النشر بكثير، بدأت بالقراءة منذ الصغر، وكنت أجد في الكتاب مساحة أوسع لفهم الإنسان والنفس والمجتمع، ومع مرور الوقت تحولت القراءة إلى كتابة، ثم أصبحت الكتابة بالنسبة لي وسيلة للتعبير عن القضايا التي أؤمن بها، وليست مجرد ممارسة أدبية، لذا جاءت أعمالي متنوعة بين الرواية النفسية، وأدب الرعب، والكتابة الإنسانية المرتبطة بالطفل وأصحاب الهمم».
وحول تحويل تجربة شخصية مع ابنها المصاب بالتوحّد إلى رواية بعنوان «أرني الدنيا بعينيك»، أضافت العليلي: «لم أشأ كتابة قصة أم لديها طفل متوحد، بل أردتها أن تكون قصة إنسانية يعيشها آلاف الأشخاص بصمت، فعندما عشت التجربة مع ابني أحمد، اكتشفت أن التحدي الحقيقي لم يكن التوحّد نفسه، بل نظرة المجتمع، وقلة الوعي، والأحكام المسبقة، وشعرت أن الأدب قادر على الوصول إلى القلوب بطريقة قد لا تقوم بها التقارير، أو الدراسات، وكانت الرواية هي الوسيلة الأقرب».
الصورة النمطية
ولفتت العليلي إلى أن توثيق تجربتها كان جزءاً من الرواية، لكنه لم يكن الهدف الأساسي، لأن هدفها الحقيقي كان «تغيير الصورة النمطية عن التوحّد، وإشعال شعلة أمل في قلوب أهالي الأطفال من ذوي الهمم بعد أن سرق منهم التوحد كثيراً من الطمأنينة»، فضلاً عن إبراز فكرة الاختلاف وبأنها لا تعني العجز «فالأشخاص المصابون بالتوحد يمتلكون قدرات استثنائية إذا وجدوا من يؤمن بهم ويمنحهم الفرصة»، مشددة على أنها كانت تريد للقارئ «أن يرى الإنسان وليس التشخيص».
وعبرت الكاتبة الإماراتية عن كيفية عيشها للحظات مرت بها من جديد من خلال الكتابة، موضحة أن هناك صفحات كتبتها وهي تستعيد المشاعر نفسها التي عاشتها في الواقع، وكأن الزمن يعود بها إلى تلك المراحل، فكانت تتوقف عن الكتابة لأن المشاهد مؤلمة، وأحياناً تبتسم لأنها تتذكر إنجازاً أو موقفاً منحها الأمل، ولهذا تؤمن أن الصدق هو ما يمنح النص روحه.
وشددت على أن رسالتها كانت بسيطة وواضحة، وهي أنه «لا بد من تغيير الفكرة، حول التوحّد، فهو صعب، ولكن الأصعب هو الاستسلام بسبب الخوف من التعايش معه»، وأردفت بالقول «أقول لكل أسرة: لا تجعلوا التشخيص يحدد مستقبل أبنائكم، بل دعوا قدراتهم هي التي تتحدث عنهم».
النفس البشرية
من التجربة الشخصية انتقلت العليلي إلى أدب الرعب، وعن توجهها إلى هذا النوع الأدبي، قالت: «منذ الصغر وفي أول زيارة لي لمعرض الكتاب، تعرفت إلى روايات الكاتب الراحل الدكتور أحمد خالد توفيق، وغرقت في قراءة كتبه، ومنذ ذلك الوقت بدأ أدب الرعب يشدني، لأنه لا يتحدث عن الأشباح بقدر ما يتحدث عن النفس البشرية»، ولفتت إلى أن الإنسان لا يستطيع الجزم بمدى معرفته لنفسه إلا عندما يواجه المواقف المفاجئة والمحزنة والمخيفة، مشيرة إلى أن «الإنسان بطبيعته يخاف من المجهول، أو من أي شيء يعجز عن تفسيره»، ولذلك كانت ترى أن «الخوف يكشف الإنسان أكثر مما تكشفه الطمأنينة»، أما التحدي الأكبر حسب العليلي فكان يتمثّل في «تغيير الفكرة السائدة بأن الرعب مجرد وسيلة لإخافة القارئ، بينما هو في الحقيقة أدب يحمل أبعاداً نفسية وفلسفية واجتماعية عميقة إذا كُتب بطريقة واعية».
التشويق والعمق
وحول قلة انتشار أدب الرعب عربياً، أكدت الكاتبة الإماراتية أن ذلك «يرجع لكونه يحتاج إلى توازن دقيق بين التشويق والعمق، وأن تتخلله فكرة ضمنية هادفة»، متأسفة لتقديم بعض أعمال هذا النوع الأدبي بصورة سطحية تهدف إلى ترهيب الناس فقط، دون وجود رسالة واضحة أو قضية حقيقية، وهذا ما أدى إلى تكوين صورة غير دقيقة عنه، وأثنت العليلي على القارئ العربي الذي «بات أكثر انفتاحاً على أنواع متنوعة من الأدب، وبرز اهتمامه المتزايد بهذا النوع عندما يُقدَّم بمستوى أدبي حقيقي».
الموروث الشعبي
وترى العليلي أن مخاوف الإنسان أساس هذا النوع الأدبي، فأكثر ما يخيفه ليس الكائنات الخيالية، بل الفقد، والخيانة، والوحدة، والذنب، والاضطرابات النفسية، أو أي فكرة تهدد إيمانه أو موروثاته، أو المساحة الآمنة التي عاش في داخلها سنوات عمره، وهذه المخاوف الواقعية هي التي تمنح الرواية صدقها، وتجعل القارئ يشعر بأن الرعب قريب منه، وربما يعيش بداخله، وأكدت العليلي أنها حين تكتب تستفيد من الموروث الشعبي عندما يكون خادماً للعمل الروائي، لكنها لا تنقله كما هو، بل تعمل على إعادة تقديمه برؤية معاصرة تحافظ على الهوية الإماراتية، وتمنح القصة بعداً ثقافياً يميزها عن غيرها.
وأثنت على المشهد الأدبي في الإمارات، مؤكدة أنه يشهد تطوراً على مستوى التنوّع والجرأة في الطرح، وهناك أصوات شابة متميزة، وحضور أكبر للرواية والقصة والشعر، إضافة إلى دعم المؤسسات الثقافية.
منافسة واسعة

اعتبرت الكاتبة الإماراتية، إيمان العليلي، أن الكاتب اليوم لا ينافس كاتباً آخر فقط، بل ينافس الصورة والفيديو والمنصات الرقمية، لذلك أصبح مطالباً بتقديم نص أكثر كثافة وحيوية، من دون أن يفقد قيمته الأدبية، فالتكنولوجيا غيرت طريقة الوصول إلى القارئ، لكنها لم تلغِ أهمية الكلمة الجيدة، وشددت على أن ما يؤرقها ككاتبة هو أن تكون القضايا الإنسانية بعيدة عن اهتمام المجتمع، وأن تضيع الرسائل العميقة وسط المحتوى السريع.
إيمان العليلي:
• الكتابة مسؤولية قبل أن تكون موهبة، وعلى الكاتب أن يضيف فكرة، أو يغيّر وعياً.
• أستفيد من الموروث الشعبي عندما يخدم العمل الروائي، وأقدمه برؤية معاصرة تحافظ على الهوية الإماراتية.
• الإنسان يخاف من أي شيء يعجز عن تفسيره، والخوف يكشف الإنسان أكثر مما تكشفه الطمأنينة.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية والرياضية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة الامارات اليوم ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من الامارات اليوم ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
