الحب ام الوطن؟ الاشتياق ام الولاء؟ لماذا يقاتل العظيم "أوديسيوس" طوال العشر سنوات التي قضاها بعد اتمامه مهمته في حرب طروادة واذلاله للآلهة اليونانية التي دافعت طوال الوقت عن الاسوار الشاهقة للمدينة العظيمة "طروادة" ليأتي هو بحيلته الأشهر في التاريخ لينهي حصار دام لعشر سنوات امام اسوار الحضارة الاعرق في التاريخ آنذاك، ليحولها بذكائه الي رماد خلال الساعات الاولي من اجتياح الجيش اليوناني للأسوار وهتك كل قوانين "زيوس".
طوال الثلاث ساعات التي لحصها المخرج العالمي كريستوفر نولان في ملحمته the odyssey التي تعرض في السينما حالياً، لم يدر في ذهني الا تلك الأسئلة التي طرحتها في البداية، وهي لماذا يقاتل العظيم أوديسيوس للعودة الي وطنه من جديد بالرغم من الاغراءات التي تعرض لها خلال رحلته التي أصر فيها على محاربة الآلهة اليونانية القديمة وابنائهم ولعناتهم والكثير والكثير من المكائد التي سيطرت على عقله الباطن قبل قلبه، فبالرغم من العبقرية المفرطة التي نفذ فيها نولان فيلمه الذي سيكتسح كل الجوائز بلا شك، إلا ان المحارب العظيم صاحب فكرة "هدية الآلهة" التي تركها اليونانيين للطرواديين واتضح في النهاية انها فخ "بشري" خالص لكسر الحصار الذي دام لعشر سنوات من الهلاك والجوع والقتال فيما بينهم وفقدان العزيمة لليونانيين، ليسطر البشر نهاية الحرب التي دارت بين الآلهة اليونانية القديمة قبل ان تنتقل للبشر ويمنعهم "زيوس" من المشاركة فيها تاركا شأنها للبشر بشكل كامل.
المحارب الذكي أوديسيوس كما وصفه " هوميروس" في اشعاره ومن ثم جسدها "نولان" في ملحمته، والذي رفض الخلود من أجل العودة للوطن تنفيذاً لوعوده التي أطلقها في البداية لزوجته الجميلة " بينيلوبي"، كان يقاتل بعيداً عن ما بداخل وجدان جنوده، فهم يحلمون بريحه الوطن وللقاء عائلاتهم او ما بقي منهم، بينما كان يقاتل هو من أجل شيء ما لم يتضح بشكل كامل حتي المشهد الأخير، وكما اقتربت الأحداث من نهايتها يخرج ببعض من الأمل والمحاولات للبدء من جديد، حتي ترك نفسه في النهاية للمصير المحتوم وللقدر الذي لا مفر منه، وهو العودة للوطن، وبينما كان يصارعه " بوسيدون" آلة البحر والمحيطات لاعتداه علي ابنه في طريق عودته، إلا ان القدر الذي كان يعلمه أوديسيوس ورآه في العالم الآخر كان كفيل ان يترك زمام الأمور في النهاية لمصيره الذي يعلمه جيداً، ولذلك كان التوقف عن القتال امر محتوم لمحاولة منح الآلهة القديمة أي بصيص من الانتصار ولو انتصار مزيف.
أوديسيوس، الذي رحل عن طروادة بالعشرات من الأغاني والاشعار التي كتبت خصيصاً له، كان يبحث عما بداخله بشدة للعثور على نهاية تناسب ما فقده بالتعدي على إرادة الآلهة والفوز بالحرب بخدعته التي كانت مفتاح الفوز، فهناك مشهد تم اعادته أكثر من مرة بعد اقتحام اليونانيين للمدينة وذبحهم للكبير والصغير وتحولهم لألات قتل وسفك للدماء بدون مراعاة قانون "زيوس"، بينما يتحرك أوديسيوس وهو في حالة من الذهول ووجه شاحب وهي لحظة ادراكه ان تلك الخدعة هي من صنع يداه وان كل تلك الدماء كان هو جزء من سفكها، فتلك بالتأكيد مسيرة حافلة لمحارب اسطوري لا يريد فقط الا ترديد اسمه في كل المجالس بالغناء والاشعار فقط، وليس محارب مثل أوديسيوس، الذي ترك خلفه طفل لم يراه وزوجه تحارب الجميع في انتظاره واسره تريد رؤيته مثل تلك الاسر التي كان السبب في قتلها.
أوديسيوس، كان يبحث عن شيء واحد فقط، وهو "ذاته"، فكل مرة كان يخرج بها سيفه للقتال، كان للقتال من أجل الوصول الي حقيقته، ظل طوال العشر سنوات هائماً من جزيرة لأخري ومن عملاق لوحش اسطوري، ومن مغامرة لأخري للبحث عن نفسه التي تركها داخل اسوار مدينته إيثاكا، شخصيته التي ظل حتى عودته لزوجته ولابنه يبحث عنها، او حتى محاولته لترميمها في تمجيد جنوده الذين ثاروا عليه اثناء زيارته للعالم السفلي، ظل حتى النهاية يحاول ثم يحاول ويعود ليحاول من جديد.
أوديسيوس، لم يتحدى الآلهة كما زعم الكثيرين ولكنه تحدي ذاته، تحدي كل ما كان يقاتل من أجله، ولكن كانت ارادته أقوى مما كانت تمتلك كل تلك الآلهة التي شاركت في عقابه وحرمانه من العودة، العودة الي ما كان عليه قبل صناعته لحصان طروادة الذي دمرها بالكامل.
الفيلم الذي يروي ملحمة الأوديسيه، وهي رحلة العودة من بعد إتمام مهمة حرب طروادة التي استمرت لعشر سنوات، نجح المخرج كريستوفر نولان في تجسيدها من منظور اخر وهو منظور القتال من اجل الذات، والبحث الدائم عن الهوية الحقيقة، فكل تلك الرحلة وما قبلها كانت عبارة عن الالاف من بيوت الشعر للعظيم هوميروس، والتي اصدر بعدها الالاف من الكتب التي حللت وناقشت تلك الأشعار علي مدار الالاف السنين، اختتمها "نولان" بعمل سينمائي متكامل يجمع بين كل تلك النقاشات التي كتبها عمالقة الشعراء علي مدار التاريخ، فالفيلم بالرغم من احتواءه علي الكثير من التفاصيل الخاصة برحلة أوديسيوس وصراعه مع الآلهة، الا انه لم يتوارى عن ابراز المشاعر قبل المحتوي البصري الذي بلا شك سيكون نقطة بداية وانطلاقه يتم البناء عليها مستقبلاً في عالم السينما، لذلك فنحن نصفق من الان للعمل الذي سيحصد جائزة الأوسكار القادمة بلا شك.

the odyssey

the odyssey

فيلم the odyssey

فيلم المخرج العالمي كريستوفر نولان the odyssey
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة اليوم السابع ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من اليوم السابع ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.

