في أحد مشاهد فيلم "نومادلاند" والذي يعني بالعربية (أرض الرحّل)، تقف امرأة في أوائل الستينيات من عمرها داخل شاحنة صغيرة، لكنها لا تقوم برحلة عابرة، بل تخوض تجربة حياة كاملة تتغير بالكامل.

الشاحنة هنا ليست مجرد وسيلة للتنقل، بل أصبحت منزلها في إشارة إلى فقدان رمز الأمان الذي كان مرتبطًا دائمًا بالبيت الثابت والاستقرار المالي.
الفيلم يوضح كيف أن فقدان الاستقرار المالي ليس بالضرورة نتيجة لخطأ شخصي، بل قد يحدث بسبب تغيرات كبيرة في الاقتصاد مثل عدم كفاية رواتب التقاعد، وعدم توفير سوق لضمانات التقاعد المريح كما كان سابقًا أو وقوع أزمات اقتصادية.
نجاح الفيلم على المستوى العالمي لم يأتِ فقط من جمال القصة، بل لأنه استطاع أن يصور أزمة أعمق وتجسيد صعوبات متعلقة بكبار السن والمتقاعدين وكيف يمكن أن تتحول تلك الفترة من الراحة والاستقرار إلى مرحلة تتطلب تكيفًا مستمرًا ومرونة عالية.
خارج الشاشة، الواقع لا يقل صعوبة، فملايين المتقاعدين يواجهون تحديات اقتصادية حقيقية تتجاوز قصص الأفراد حيث يمثل التضخم المتزايد أحد أبرز عوامل التهديد بالنسبة لهم.
فالأموال المدخرة لفترة التقاعد كانت تعد عامل أمان ولكن التضخم يفقدها قيمتها بسرعة، لتصبح النفقات الأساسية مثل السكن، الطعام، والرعاية الصحية أعباء ثقيلة لا تستطيع تلك المداخرات مواجهتها.
فعلى سبيل المثال، تنخفض القوة الشرائية تدريجيًا للمعاش الذي عادة لا يتغير بما يتناسب مع ارتفاع الأسعار حيث تستحوذ المصاريف الطبية على نسبة كبيرة من الميزانية الشهرية، وخاصة مع تقدم العمر وارتفاع كلفة التأمين الصحي.
وحملت السنوات الأخيرة موجات تضخمية متلاحقة تركت آثارًا عميقة على الأفراد الذين يقتربون من سن التقاعد أو الذين دخلوا بالفعل هذه المرحلة.
ويطرح تسارع التضخم في مواجهة المدخرات طويلة الأجل، والمعاشات التقاعدية التي يوفرها أصحاب العمل، وبرامج الدعم الحكومي مثل الضمان الاجتماعي، تساؤلات حول جدوى مثل تلك الخطوات حاليًا.
تأثير التضخم على مدخولات المتقاعدين
في جوهره، يؤدي التضخم إلى تآكل القوة الشرائية للنقود، أي أن المبلغ نفسه يصبح قادرًا على شراء كمية أقل من السلع والخدمات مع مرور الوقت.
وتكمن خطورة هذا التأثير بالنسبة للمتقاعدين في اعتمادهم، في الغالب، على مصادر دخل ثابتة، وهي مصادر لا ترتفع دائمًا بنفس وتيرة التضخم.

على سبيل المثال، إذا كان المتقاعد يحتاج إلى دخل سنوي قدره 50 ألف دولار أمريكي بالقيمة الحالية، فإن استمرار التضخم عند مستوى 3% سنويًا يعني أن هذا المبلغ بعد 20 عامًا سيشتري فقط ما قيمته 27,700 دولار بأسعار اليوم أي بانخفاض يبلغ النصف تقريبًا.
ويُظهر هذا المثال كيف يمكن للتضخم أن يستنزف المدخرات بهدوء ولكن بثبات على المدى الطويل، وخاصة عند ارتفاع نسب التضخم، وتزداد المشكلة تعقيدًا لأن التضخم في بعض القطاعات مثل الرعاية الصحية والسكن، غالبًا ما يكون أعلى من متوسط التضخم العام.
وتشير تقارير اقتصادية إلى أن نفقات المتقاعدين ارتفعت بمعدل سنوي بلغ نحو 3.6% خلال العقدين الماضيين، مقارنة بمتوسط تضخم عام أقل من ذلك، ما يعكس ضغوطًا خاصة تواجه هذه الفئة.
ويعتمد الكثير من المتقاعدين على الضمان الاجتماعي والمعاشات الثابتة، ورغم حدوث زيادات دورية بها فإنها غالبًا ما تعجز عن مواكبة الارتفاع الفعلي في تكاليف المعيشة.
هذا الأمر يؤكد إفادات غالبية كبار السن بأن هذه الزيادات لا تغطي الارتفاع الحقيقي في أسعار الغذاء والإيجارات والخدمات الطبية، ما يضطرهم إلى السحب من مدخراتهم بوتيرة أسرع مما كان مخططًا له.
ولا يقتصر أثر التضخم على المتقاعدين فقط، بل يمتد إلى العاملين الذين ما زالوا في مرحلة بناء مدخراتهم.
وأظهرت استطلاعات سابقة أن نسبة ملحوظة من العاملين اضطرت إلى تقليص مساهماتها في خطط التقاعد بسبب ارتفاع تكاليف المعيشة، بينما أوقف بعضهم الادخار مؤقتًا لتغطية النفقات اليومية.
ورغم أن هذه البيانات تعود إلى سنوات سابقة، فإنها تعكس نمطًا متكررًا يظهر كلما اشتدت الضغوط التضخمية.
أمثلة واقعية على تأثير التضخم في التقاعد
توفر التجارب الواقعية في مختلف الدول صورة أوضح لكيفية انعكاس التضخم على الأمن المالي في مرحلة التقاعد.

ففي الولايات المتحدة، يُعد التضخم من أبرز المخاوف المالية لدى العاملين والمتقاعدين على حد سواء.
فقد أظهرت دراسات حديثة أن نسبة كبيرة من الأمريكيين تعتقد أنها بحاجة إلى الادخار أكثر أو الاستمرار في العمل لفترة أطول لمواجهة تأثير التضخم على خطط التقاعد.
كما تشير تقارير مؤسسات متخصصة في شؤون التقاعد إلى أن أكثر من ثلثي الأمريكيين أصبحوا أكثر قلقًا بشأن مستقبلهم المالي بعد التقاعد بسبب التضخم، ويخشى عدد كبير منهم عدم القدرة على الحفاظ على مستوى المعيشة نفسه الذي اعتادوا عليه قبل التقاعد.
الدول التي لديها أفضل أنظمة تقاعد، وفقًا لمؤشر "ميرسر للمعاشات التقاعدية" لعام 2024 (مقارنة بين 48 دولة):
| الترتيب | الدولة | القيمة الإجمالية |
| 1 | هولندا | 84.8 |
| 2 | أيسلندا | 83.4 |
| 3 | 81.6 | |
| 4 | سنغافورة | 78.7 |
| 5 | فنلندا | 75.9 |
| 6 | النرويج | 75.2 |
وتُظهر البيانات أن شريحة واسعة من الأسر مهددة بعدم القدرة على تعويض دخلها السابق خلال سنوات التقاعد.
وفي المملكة المتحدة، تشير تحليلات مالية إلى أن استمرار التضخم فوق المستهدف الرسمي قد يؤدي إلى استنزاف مدخرات التقاعد قبل موعدها المتوقع بسنوات طويلة.
فعلى سبيل المثال، إذا استقر التضخم عند مستويات تفوق 3% بدلًا من 2%، فإن بعض المدخرات التقاعدية قد تنفد قبل أكثر من عقد مقارنة بالسيناريو المستقر، ما يشكل تهديدًا مباشرًا للأمن المالي للمتقاعدين.

وعلى المستوى العالمي، تواجه أنظمة التقاعد تحديات متزايدة، ففي دول مثل هولندا، التي تعد من بين الأفضل عالميًا في نظم التقاعد، يجري تنفيذ إصلاحات واسعة بحيث تتأثر المزايا التقاعدية بشكل مباشر بأداء الاستثمارات ومستويات التضخم.
أما في الاقتصادات الناشئة، فيكون تأثير التضخم أشد وطأة، ففي دول تعاني من معدلات تضخم مرتفعة، تتآكل القيمة الحقيقية للمعاشات بسرعة، ما يدفع الخبراء إلى التوصية بتنويع الأصول، مثل الاستثمار في العقارات أو الذهب، للحفاظ على القوة الشرائية للمدخرات.
استراتيجيات التخطيط للتقاعد في عصر التضخم
فرضت البيئة الاقتصادية الجديدة ضرورة إعادة النظر في أساليب التخطيط للتقاعد، مع التركيز على حماية المدخرات من فقدان قيمتها الحقيقية.
وتُعد الأدوات التقليدية مثل السندات ذات العائد الثابت والحسابات الادخارية الأكثر عرضة للخطر في فترات التضخم، إذ غالبًا ما تعجز عوائدها عن مجاراة ارتفاع الأسعار.
في المقابل، يمكن أن يسهم الاستثمار في الأسهم والعقارات والأدوات المرتبطة بالتضخم في تحقيق نمو حقيقي طويل الأجل للمدخرات.
كما ينصح الخبراء بإعادة تقييم استراتيجيات السحب من المدخرات خلال التقاعد، بما في ذلك تعديل القواعد التقليدية مثل قاعدة السحب السنوي الثابت، لتأخذ في الاعتبار التضخم المتوقع، ويوصون بزيادة معدلات الادخار خلال سنوات العمل كلما أمكن، لبناء هامش أمان إضافي.
وفي هذا الإطار يمكن لتأجيل استحقاق المعاشات الحكومية، والعمل الجزئي بعد التقاعد، والاستفادة من منتجات مالية مرتبطة بالتضخم، أن يعزز قدرة المتقاعد على مواجهة ارتفاع الأسعار.
كما يلجأ بعض المتقاعدين إلى الانتقال لمناطق أقل تكلفة للمعيشة لإطالة عمر مدخراتهم.
وفي ظل المعطيات الحالية يمثل التضخم تحديًا جوهريًا ومستمرًا للأمن المالي في مرحلة التقاعد، مما يقوض الخطط التقاعدية التي لم تُصمم لمواجهة ارتفاع الأسعار على المدى الطويل.
وتعكس البيانات من الولايات المتحدة وأوروبا وغيرها كيف أن كثيرًا من المتقاعدين يواجهون ارتفاعًا في النفقات يقابله دخل لا ينمو بالوتيرة نفسها، ما يزيد من مستويات القلق وعدم اليقين.
ولمواجهة هذه التحديات، أصبح من الضروري الانتقال من مفهوم الادخار التقليدي إلى تخطيط تقاعدي ديناميكي، يقوم على التنويع، والمرونة، ومراعاة سيناريوهات التضخم المختلفة.
ومن دون تبني هذه المقاربة، يظل خطر تراجع مستويات المعيشة واستنزاف المدخرات قائمًا.
لم يعد السؤال ما إذا كان التضخم سيؤثر على التقاعد، بل كيف يمكن للتخطيط الذكي والمتوازن أن يمنع تحوله إلى عبء يهدد الاستقرار المالي بعد انتهاء العمل.
المصادر: أرقام- إنفستوبيديا- موني ويك- بيزنس إنسايدر- ماركت ووتش- جولدمان ساكس- فاينانشال تايمز- وزارة العمل الأمريكية- مركز أبحاث التقاعد- كلية بوسطن- فيديلتي للاستثمارات- مجلة 401 كيه سبيشاليست- المعهد الوطني لأمن التقاعد
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة ارقام ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من ارقام ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
