جيمي ديتمر*
تعد السندات الحكومية واحدة من أخطر أزمات العالم الخفية المؤجلة، حيث تتفاقم خلف ستار التداولات التي تتم في غرف مغلقة وعبر منصات مفتوحة لا يمكن الوقوف على تبعاتها سوى عبر عمليات تحليل البيانات المكثفة أو منعكسات التداول اليومي على أسعار العائد وما يتركه من آثار على عمل الأسواق، وبالتالي على مواقف مديري الصناديق الكبرى فيما يخص القرار الاستثماري التالي.
إلا أن وراء كل ذلك قوة خفية تملكها السندات تظهر تأثيراتها على شكل فقاعات اقتصادية هنا وهناك، أو على شكل اضطراب سياسي عندما تتعمق أزمة الدين الحكومي، علماً أن الكثير من الحلول التي تمت معالجة الفقاعات بها سابقاً لم تتجاوز العلاجات السطحية لأسباب تخرج في الكثير من الأحيان عما بيد الحكومة من أدوات وحتى صلاحيات.
وسبق أن قال جيمس كارفيل، مهندس الحملات الانتخابية الشهير للرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون — بنبرة تمزج السخرية بالواقعية — إنه لو أُتيح له أن يُبعث من جديد لاختار أن يكون «سوق سندات»، لأنه يصبح قادراً على أن يرهب الجميع. لم تكن تلك مجرد نكتة سياسية، بل توصيفاً بالغ الدقة لقوة غير مرئية، لا تخوض الانتخابات ولا تُحاسَب ديمقراطياً، لكنها قادرة على إسقاط حكومات وتغيير مسارات اقتصادية وسياسية كاملة.
في عام 2026، تبدو تلك القوة في طريقها لاستعادة دورها التأديبي بقسوة غير مسبوقة. فبعد سنوات من الإنفاق السهل، والديون الرخيصة، والسياسات الشعبوية التي تجاهلت الحسابات المالية، بدأت أسواق السندات توجّه رسالة واضحة إلى الحكومات الغربية: لقد نفد الصبر.
حتى دونالد ترامب، المعروف بخطابه الصدامي واستخفافه بالمؤسسات التقليدية، اضطر في ربيع العام 2025 إلى التراجع مؤقتاً عن سياسته القائمة على الرسوم الجمركية المتبادلة، عندما أظهرت أسواق السندات امتعاضها وبدأت العوائد بالارتفاع. كان ذلك تذكيراً صريحاً بأن سادة الكون الحقيقيين ليسوا في البيت الأبيض أو البرلمانات، بل في غرف التداول، حيث يجلس حراس السندات، ومديرو صناديق التحوط، وصناديق التقاعد العملاقة.
العالم لا ينسى ما حدث في بريطانيا قبل ثلاثة أعوام، حين حاولت رئيسة الوزراء ليز تراس فرض أجندة تخفيضات ضريبية واسعة عبر ميزانية مصغّرة افتقرت إلى التدرج والمصداقية التمويلية. كان رد فعل الأسواق سريعاً ومدمراً حيث تهاوى الجنيه الإسترليني، وقفزت عوائد السندات الحكومية، واضطر بنك إنجلترا إلى التدخل لتفادي انهيار أوسع. أما على الصعيد السياسي، فكانت النتيجة غير مسبوقة، إذ لم تصمد تراس في منصبها سوى 49 يوماً، لتدخل التاريخ كأقصر رئيسة وزراء حكمت بريطانيا.
هذه الحادثة لم تكن استثناءً، بل إنذاراً مبكراً لما قد يتحول إلى نمط عالمي. فمن اليابان إلى بريطانيا، ومن فرنسا إلى الولايات المتحدة، تواجه المالية العامة أوضاعاً مقلقة. فهناك ديون متراكمة، وعجز مزمن، ونمو اقتصادي ضعيف، وإنتاجية لا تواكب حجم الالتزامات. ونتيجة لذلك، بقيت تكاليف الاقتراض طويل الأجل قرب أعلى مستوياتها منذ سنوات، في وقت لم تعد فيه الأسواق مستعدة لمنح الحكومات شيكاً على بياض.
ويتمثل التحول الأهم في تراجع شهية المستثمرين للسندات الحكومية. فالمؤسسات الاستثمارية الكبرى باتت أكثر تشككاً في قدرة بعض الدول — بما فيها الولايات المتحدة — على السيطرة على مسار ديونها. وكما قال الرئيس التنفيذي ل«دويتشه بنك»، كريستيان زيفينغ، فإن الإصلاحات الاقتصادية الضرورية لاحتواء الدين «غير موجودة»، وسوق رأس المال يدرك ذلك جيداً.
وتمثل فرنسا اليوم نموذجاً صارخاً لهذا المأزق. فمع تضخم الدين العام، وتعاقب حكومات عيّنها الرئيس إيمانويل ماكرون، فشل النظام السياسي في حشد دعم برلماني أو شعبي لإصلاحات جدية تمس جوهر المشكلة. وبريطانيا ليست بعيدة كثيراً عن هذا المسار، حيث تتقاطع الأزمات المالية مع هشاشة سياسية تجعل اتخاذ قرارات صعبة مجرد مغامرة انتخابية كبرى.
هنا تكمن الحلقة المفرغة، فالأزمة المالية تُضعف القرار السياسي، والشلل السياسي يزيد قلق الأسواق. الحكومات تخشى رفع الضرائب أو خفض الإنفاق خوفاً من الناخبين، لكنها بذلك تؤجل المواجهة مع واقع لا يمكن الهروب منه. فالأسواق لا تصوّت في الانتخابات، لكنها تصوّت يومياً عبر العوائد، والتصنيفات الائتمانية، وتدفقات رؤوس الأموال.
السؤال الذي يفرض نفسه في 2026 ليس ما إذا كانت أسواق السندات سوف تتحرك، بل متى وبأي عنف. وكم عدد الحكومات الغربية التي ستُدفع نحو باب الخروج لأنها أخفقت في استعادة الانضباط المالي؟ في عالم تحكمه الأرقام بقدر ما تحكمه الشعارات، قد يكون درس السنوات المقبلة قاسياً، لكنه واضح: من يتجاهل سوق السندات، يدفع الثمن سياسياً قبل أن يدفعه اقتصادياً.
* كاتب عمود ومدير مكتب صوت أمريكا في روما «ذا بوليتيكو»
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة صحيفة الخليج ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من صحيفة الخليج ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
