تشير دراسة جديدة شارك في إعدادها باحثون من شركة Google إلى تحدٍّ للأفكار التقليدية حول كيفية تفكير أنظمة الذكاء الاصطناعي واتخاذها للقرارات، فبدلًا من اتباع مسار منطقي واحد للوصول إلى الإجابة، تعمل بعض النماذج المتقدمة من الذكاء الاصطناعي بطريقة تشبه النقاش الجماعي وتبادل الآراء داخل مجموعة من الأفراد.
وتركّز الدراسة على نماذج التفكير واسعة النطاق، مثل DeepSeek-R1 وQwQ-32B التابعة لشركة Alibaba، حيث تشير النتائج إلى أن هذه الأنظمة لا تكتفي بمعالجة المعلومات خطوة بخطوة، بل تولّد عدة وجهات نظر داخلية وتختبرها قبل الوصول إلى النتيجة النهائية، ويطرح ذلك تساؤلات جديدة حول طبيعة الذكاء داخل الآلة وكيفية تشكّله.
وقد نُشرت الورقة البحثية بعنوان “Reasoning Models Generate Societies of Thought” على منصة arXiv، وتجادل بأن نماذج التفكير الحديثة قد تكون أقرب إلى “مجتمع من الأفكار المتفاعلة” بدلًا من تيار منطقي واحد، وهو مفهوم قد يؤثر بشكل كبير في مستقبل تطوير الذكاء الاصطناعي.
التفكير كمناظرة داخلية داخل النموذج
يوضح الباحثون أن النماذج المتقدمة عندما “تفكر”، فإنها قد تجري نقاشًا داخليًا يشبه الطريقة التي تعمل بها مجموعات البشر عند حل المشكلات المعقدة، فبدلًا من إنتاج إجابة فورية واحدة، تقوم هذه النماذج بتوليد عدة وجهات نظر قد تتعارض فيما بينها، ثم تعمل على تسوية الخلاف بينها للوصول إلى قرار نهائي.
ويصف البحث هذا السلوك بأنه عملية “متعددة الوكلاء” ضمنيًا، حيث يبدو النموذج الواحد وكأنه يتكون من عدة كيانات فكرية تشارك في طرح الأفكار ومراجعتها وتحدي الافتراضات وصقل النتائج. ويُطلق على هذه الظاهرة مصطلح “تنوع وجهات النظر”، أي قدرة النظام على استيعاب عدة مسارات تفكير ومقارنتها في الوقت نفسه.
ووفقًا للمؤلفين، يساعد هذا التنوع الداخلي على تفسير سبب تفوق بعض نماذج التفكير الحديثة في التعامل مع المهام المعقدة مقارنة بالأجيال السابقة، فمن خلال اختبار تفسيرات بديلة ورصد الأخطاء المحتملة، تقل احتمالية الوقوع في استنتاجات خاطئة، وتشبه هذه العملية نقاش فريق عمل داخل اجتماع يسعى للوصول إلى قرار أكثر دقة.
كما يشير البحث إلى أن هذا السلوك ليس مبرمجًا بشكل مباشر، بل ينشأ تلقائيًا نتيجة طريقة تدريب هذه النماذج وهيكلها الداخلي، ومع ازدياد قدرات النماذج، تبدأ في تنظيم عملياتها الداخلية لدعم التفكير التأملي، والتصحيح الذاتي، والمقارنة بين الأفكار المختلفة.
إعادة التفكير في كيفية بناء ذكاء اصطناعي أكثر ذكاءً
لطالما اعتقدت صناعة التكنولوجيا أن تحسين أداء الذكاء الاصطناعي يعتمد بشكل أساسي على زيادة حجم النماذج والبيانات وقوة الحوسبة، ورغم أن عامل الحجم لا يزال مهمًا، فإن الدراسة التي قادها باحثو Google تشير إلى أن هذا ليس العامل الوحيد المؤثر.
وتوضح النتائج أن طريقة تنظيم عملية التفكير داخل النموذج قد تكون بنفس أهمية حجمه. وتبرز الورقة مفهوم “تحولات المنظور”، حيث يتراجع النظام خطوة إلى الوراء ليعيد تقييم مسار التفكير الحالي ويستكشف بدائل أخرى، ما يعمل كآلية داخلية لتحدي الافتراضات وتصحيح الأخطاء.
ويختلف هذا النهج عن الأنظمة السابقة التي كانت تقدم إجابات واثقة لكنها خاطئة أحيانًا، نتيجة اتباعها مسارًا منطقيًا واحدًا حتى لو كان معيبًا. أما النماذج التي تختبر عدة وجهات نظر، فهي أكثر قدرة على اكتشاف أخطائها قبل تقديم الإجابة النهائية.
ويرى الباحثون أن هذه النتائج قد تؤثر في تصميم نماذج الذكاء الاصطناعي المستقبلية، حيث لن يقتصر التركيز على توسيع البيانات والمعلمات، بل سيتجه المطورون إلى تشجيع التنوع الداخلي المنظم في التفكير، ما قد يؤدي إلى نماذج أكثر دقة وشفافية في كيفية وصولها إلى النتائج.
ماذا يعني ذلك للمستخدمين ومستقبل الذكاء الاصطناعي؟
بالنسبة للمستخدمين العاديين، قد تكون لهذه الدراسة آثار مهمة على تجربة استخدام الذكاء الاصطناعي. فالأنظمة التي تعتمد على “نقاش داخلي” في التفكير قد تكون أكثر قدرة على التعامل مع الأسئلة الغامضة والمعلومات غير المكتملة وتعقيدات الواقع، ما ينتج إجابات أكثر توازنًا وأقل جمودًا.
كما تشير الدراسة إلى فوائد محتملة في تقليل التحيز، إذ إن النظام الذي ينظر إلى المشكلة من زوايا متعددة يكون أقل عرضة للانحصار في رؤية واحدة ضيقة. ورغم أن ذلك لا يقضي على التحيز بالكامل، فإنه يمثل خطوة ضمن استراتيجية أوسع لبناء أنظمة أكثر عدلًا وموثوقية.
وعلى المستوى العملي، قد يلاحظ المستخدمون أدوات ذكاء اصطناعي أكثر تفكيرًا ومرونة بدلًا من كونها مجرد أدوات أسرع في تقديم الإجابات، وقد تقدم هذه الأنظمة ردودًا تعترف بعدم اليقين أو تشرح المفاضلات بين الخيارات، في محاكاة أقرب لطريقة التفكير البشري.
وفي النهاية، يشير البحث إلى تحول في فهم طبيعة الذكاء الاصطناعي، فبدلًا من النظر إليه كآلة حسابية قوية، يطرح تصورًا جديدًا لأنظمة تعتمد على تعاون داخلي منظم بين الأفكار، وإذا ثبتت صحة مفهوم “الذكاء الجماعي داخل النموذج الواحد”، فقد يشكّل ذلك أساسًا للجيل القادم من التطورات الكبرى في مجال الذكاء الاصطناعي.
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة اليوم السابع ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من اليوم السابع ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
