عرب وعالم / السعودية / المواطن

الحنيذ.. نكهة الجنوب التي تُجسد عُمْق الموروث الغذائي في عسير

  • 1/2
  • 2/2

يشكّل الحنيذ أحد أبرز ملامح الموروث الغذائي في منطقة عسير، وركنًا أصيلًا من ثقافة الضيافة الجنوبية، إذ تجاوز كونه وجبةً شعبية إلى منتجٍ ثقافي وسياحي واقتصادي، ارتبط بالمكان والإنسان، وعبّر عن علاقة متجذّرة بين المطبخ المحلي وبيئته الطبيعية.
ومع انطلاق مهرجان الحنيذ الثاني في محافظة محايل عسير، بات الحنيذ عنوانًا لتجربةٍ تراثية متكاملة، تستقطب الطهاة المحليين والعالميين، وتفتح نافذةً على هوية غذائية جنوبية تتقن الجمع بين الأصالة والتجديد.
وعرفت المحافظات التهامية في منطقة عسير ويتصدرها محافظة محايل بتفوّقها في إعداده في الحنيذ وتقديمه، حتى أصبحت مقصدًا للباحثين عن “الطعم الجنوبي الأصيل”.
ومع تطور العرض وأساليب الخدمة، تحوّل الحنيذ إلى تجربةٍ قائمة بذاتها، مما أسهم في استقطاب طهاة محترفين من داخل المملكة وخارجها، وجدوا في طرق إعداده التقليدية مصدر إلهام، وفي نكهته البطيئة الناتجة عن الدفن المحكم والحرارة المتوازنة تميّزًا لا يتقن إلا مع أصحاب الخبرات المتوارثة في هذه المحافظة.
ويوضح وائل عسيري أحد المتخصصين في تقديم الحنيذ في محايل عسير خلال حديثه لوكالة الأنباء أن إعداد الحنيذ يبدأ من اختيار اللحم وتجهيزه بعناية، مع الاكتفاء بتتبيلٍ بسيط أو تقديمه دون إضافات للحفاظ على مذاقه الطبيعي، ثم تُجهّز حفرة الطهي بإشعال النار حتى يتحول الحطب إلى جمرٍ متوهّج، ثم تُفرش طبقة من عيدان السلع الرطبة، ويُرتّب اللحم فوقها بحسب الحجم، مع الفصل بين الطبقات بأغصان المرخ الجافة التي تحفظ الرطوبة وتكسب اللحم نكهته المميزة. وتُغلق الحفرة بإحكام لتوزيع الحرارة، ويستغرق الطهي عادةً ما بين ساعتين إلى ثلاث ساعات، بحسب نوع اللحم ووزنه.
وفي الموروث المحلي، حملت أدوات الطهي ومساحاته مسمياتٍ ما زالت حيّة في الذاكرة؛ فالحفرة تُعرف بـ”المحنذ” أو “المحنذة”، كما يُستخدم “الميفا” (التنور الفخاري) في بعض البيئات، وهي مسميات تختصر فلسفة الطهي البطيء المعتمد على الدفن والحرارة الطبيعية، وتعكس خبرة الإنسان الجنوبي في استثمار عناصر .
وتحضر الأطباق الشعبية المصاحبة للحنيذ بوصفها جزءًا أصيلًا من طقوس المائدة في عسير، إذ تُقدَّم فطائر الدخن والذرة كخبزٍ تقليدي، إلى جانب المعصوب، والبامية المطهية بأسلوب محلي، والمغشّات التي تُعد في أوانٍ حجرية على نار هادئة، إضافة إلى زيت السمسم (السليط) الذي يُعد عنصرًا أساسيًا يضفي نكهةً مميزة، في صورةٍ تُبرز تنوّع الموروث الغذائي وتكامل أطباقه مع الحنيذ كعنوانٍ للضيافة.
وأسهم انتشار الحنيذ وتسويقه في تعزيز النشاط الاقتصادي بمحايل عسير، عبر سلسلة قيمة تبدأ من تربية المواشي وتنتهي بخدمات البيع والتجهيز، مرورًا بالعمالة والحطب والمستلزمات الأخرى كاستزراع المرخ والسلع، كما أسهمت المهرجانات المتخصصة في رفع الوعي بالمنتج وتحويله إلى علامةٍ تجارية معروفة على مستوى المملكة ودول الخليج، بما يدعم فرص الاستثمار ويعزّز حضور المطبخ المحلي في المشهد السياحي.
ويأتي مهرجان الحنيذ الثاني ليؤكد هذا التحوّل، من خلال مشاركة نخبةٍ من الطهاة العالميين الذين أبدوا إعجابهم بطرق الإعداد التقليدية والطعم المميز، في فعاليةٍ تجمع بين العروض الحيّة، والتجارب التفاعلية، والتعريف بالموروث الغذائي، بما يعكس قدرة الأكلات التراثية على التحوّل إلى منتجٍ ثقافي وسياحي مستدام.
وتؤكد عميدة كلية والضيافة بجامعة الملك خالد الدكتورة رهام مشاط، أن محافظة محايل وما تتميز به من تنوع غذائي تمثل بيئة تعليمية تطبيقية ثرية، تسهم في نقل تجارب الطهي المحلي إلى آفاق أوسع، وتقديم النكهات الأصيلة للزوار بأسلوب احترافي يعكس عمق الموروث الغذائي للمنطقة.
وأوضحت أن مشاركة طلاب وطالبات الكلية في مهرجان الحنيذ الثاني تجسّد نموذجًا حيًا للتعليم التطبيقي، من خلال ربط المخرجات الأكاديمية بالممارسة الميدانية، وتنمية مهارات الطلبة في مجالات الطهي والضيافة والتواصل السياحي، بما يعزز جاهزيتهم لسوق العمل، ويسهم في تقديم التراث الغذائي العسيري بصيغة معاصرة تحافظ على أصالته وتواكب المتغيرات العالمية.
فبين دفء الجمر وبرودة السلع، يواصل الحنيذ رحلته من ذاكرة البيوت إلى منصات المهرجانات، محافظًا على روحه الأولى، ومؤكدًا أن المطبخ العسيري قادرٌ على مخاطبة العالم بلغة التذوق والتميز.

قد يهمّك أيضاً

ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة المواطن ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من المواطن ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.

قد تقرأ أيضا