قبل عام، قام "أليكس جونسون" بشراء أسهم في بعض شركات التكنولوجيا الأمريكية، منها إنفيديا وآبل ومايكروسوفت، مستفيدًا من موجة الصعود التي اجتاحت القطاع. في البداية، استثمر نحو 50 ألف دولار أمريكي موزعة على هذه الأسهم.

وبعد ستة أشهر فقط، تضاعفت قيمة محفظته لتصل لقرابة 100 ألف دولار أمريكي، مدفوعة بالطلب المتزايد على رقائق الذكاء الاصطناعي والابتكارات التكنولوجية التي أحدثت صخبًا في الأسواق العالمية.
ومع كل ارتفاع جديد، شعر "جونسون" بمزيج من الإثارة والفخر، لكنه لم يستطع تجاهل القلق الذي بدأ يتسلل إليه مع بلوغ بعض الأسهم مضاعفات ربحية مرتفعة جدًا.
ففي كل صباح، كان يتابع الأخبار الاقتصادية، متسائلًا: هل هذه المكاسب مدعومة بأسس اقتصادية قوية، أم أنها مجرد فقاعة قد تنفجر فجأة.
وتزايدت شكوكه عندما لاحظ أن ارتفاع الأسهم أصبح أكثر سرعة من نمو أرباح الشركات نفسها، وأن التركيز الأكبر في السوق أصبح على عدد محدود من الشركات العملاقة.
"جونسون" ليس وحده، إذ إن آلاف المستثمرين يجدون أنفسهم في الوضع نفسه: بين رغبتهم في الاحتفاظ بالمكاسب وبين خوفهم من فقدانها إذا ما شهد السوق تصحيحًا حادًا.
وتشهد أسواق الأسهم الأمريكية منذ مطلع عام 2026 مرحلة استثنائية، إذ واصلت تسجيل مستويات قياسية جديدة، في وقت تتزايد فيه التساؤلات حول ما إذا كان هذا الصعود مدفوعًا بأسس اقتصادية حقيقية أم أنه يعكس حالة من الإفراط في التفاؤل والمضاربة.
وخلال تلك الفترة تجاوز مؤشر ستاندرد آند بورز 500 حاجز 7 آلاف نقطة للمرة الأولى في تاريخه، ما يعكس ارتفاع مستوى ثقة المستثمرين في مستقبل السوق.
غير أن هذه القمم القياسية تتزامن مع مؤشرات تقييم مرتفعة وديناميكيات سوقية تثير المخاوف من تكرار سيناريوهات تاريخية شهدت لاحقًا تصحيحات حادة.
مستويات تقترب من حدود تاريخية قصوى
عندما يريد المستثمرون معرفة ما إذا كانت الأسهم تُسعَّر بأعلى من قيمتها الحقيقية، يعتمدون على مؤشرات التقييم.
هذه المؤشرات تساعد في تحديد ما إذا كانت الأسعار الحالية تعكس أداء الشركات الفعلي أم أنها مبالغ فيها، ومن أبرز هذه المؤشرات نسبة السعر إلى الأرباح أي سعر السهم مقارنة بأرباح الشركة لكل سهم.

وكذلك نسبة السعر إلى الأرباح المعدلة دوريًا (كايب)، والتي تأخذ في الاعتبار أرباح الشركة على مدى عشر سنوات لتقديم صورة أكثر استقرارًا عن تقييم السوق.
وبحلول نهاية عام 2025، وصل متوسط مضاعف الأرباح المستقبلي لمؤشر ستاندرد آند بورز 500 إلى حوالي 30 مرة.
ويعني هذا أن المستثمرين كانوا مستعدين لدفع 30 دولارًا أمريكيًا مقابل كل دولار من أرباح الشركات المتوقعة، هذا الرقم أعلى بكثير من المتوسط التاريخي الذي كان عادة بين أوائل ومنتصف العشرينيات.
أما نسبة كايب فقد ارتفعت إلى نحو 39.85، وهي تقترب بالفعل من ذروة فقاعة الإنترنت (التي بلغت 44.19)، مما يجعلها أحد أهم أدلة المحذرين من الفقاعة حالياً.
ويزيد من المخاوف حول احتمال حدوث تصحيح، أو ما يُعرف بظاهرة "العودة إلى المتوسط" على المدى المتوسط أو الطويل، أي أن الأسعار قد تعود إلى مستويات أكثر واقعية قريبًا.
طريقة أخرى يعتمدها البعض لقياس ما إذا كانت الأسهم مبالغًا في قيمتها هي مقارنة إجمالي قيمة جميع الأسهم الأمريكية بالناتج المحلي الإجمالي للبلاد، والمعروف بمؤشر بافيت.
حاليًا، هذه النسبة تقارب 230%، أي أن قيمة الأسهم أكبر من ضعف الناتج المحلي للولايات المتحدة، وعلى الصعيد التاريخي، ارتبطت مستويات مشابهة بحدوث تصحيحات كبيرة في السوق.
هيمنة "السبعة الكبار".. محرك نمو أم مصدر للخطر؟
ويظهر الصعود الحالي في سوق الأسهم الأمريكية اعتمادًا كبيرًا على عدد محدود من شركات التكنولوجيا العملاقة، المعروفة باسم "السبعة الكبار"، وتشمل: آبل ومايكروسوفت وإنفيديا، وألفابت، وأمازون، وميتا بلاتفورمز، وتسلا.

وبحلول عام 2025، استحوذت هذه الشركات السبع على أكثر من 35% من إجمالي القيمة السوقية لمؤشر ستاندرد آند بورز 500، وهو تركّز نادر تاريخيًا، هذا يعني أن أداء السوق ككل بات يعتمد بدرجة كبيرة على نتائج عدد محدود من الشركات.
فعلى سبيل المثال، شهدت شركة إنفيديا نموًا هائلًا مدفوعًا بالطلب العالمي على رقائق الذكاء الاصطناعي، لترتفع قيمتها السوقية إلى مستويات تريليونية.
في المقابل، تجاوزت القيمة السوقية لكل من مايكروسوفت وآبل حاجز 3 تريليونات دولار أمريكية، لتصبحا من بين أكبر الشركات في تاريخ الأسواق المالية، وتعد أحد العوامل الرئيسية وراء هذا التركز هو الاندفاع الكبير نحو تقنيات الذكاء الاصطناعي.
وتشير التقديرات إلى أن الشركات المدرجة في مؤشر ستاندرد آند بورز 500 أنفقت ما يزيد على 1.25 تريليون دولار أمريكي على استثمارات مرتبطة بالذكاء الاصطناعي، وهو ما يجعل هذه الموجة من أضخم دورات الاستثمار في تاريخ الشركات الأمريكية.
لكن في المقابل، يرى بعض المحللين أن هذه الطفرة قد تعكس حالة من التفاؤل المفرط، محذرين من أن العوائد الفعلية لهذه الاستثمارات قد تستغرق وقتًا أطول من توقعات السوق، ما قد يخلق فجوة بين التقييمات والنتائج الحقيقية.
ولكن يجب الإشارة إلى أن التقييمات ليست متجانسة بين شركات السبعة الكبار، فبينما تتداول بعض الشركات مثل تسلا عند مضاعفات ربحية مرتفعة للغاية، تعكس توقعات نمو استثنائية، تبدو تقييمات شركات أخرى مثل ألفابت وميتا أكثر اعتدالًا نسبيًا.
السياسة النقدية واستدامة الصعود
بعيدًا عن التقييمات وأداء الشركات الكبرى، تلعب العوامل الاقتصادية الكلية دورًا حاسمًا في تحديد مسار الأسواق.
وخلال عامي 2025 وبداية 2026، تخلى الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي نسبيًا عن أسعار الفائدة المرتفعة وبدأ خفضًا تدريجيًا وصل بسعر الفائدة إلى نطاق 3.5-3.75%.
ورغم أن هذه المستويات أقل تشددًا مقارنة بفترات سابقة، فإنها لا تزال تشكل عامل ضغط محتمل على التقييمات المرتفعة في حال عادت معدلات التضخم للارتفاع.

ورغم هذه التحديات، أظهرت أرباح الشركات الأمريكية مرونة ملحوظة، خاصة في قطاع التكنولوجيا، حيث توقّع محللون تسجيل أحد أقوى مواسم الأرباح منذ الأزمة المالية العالمية في عام 2008 (باستثناء فترة التعافي بعد جائحة كورونا).
إلا أن الصورة الاقتصادية العامة لا تزال مختلطة، مع تباين مؤشرات سوق العمل والإنفاق الاستهلاكي، ما يجعل الأسواق شديدة الحساسية لأي بيانات سلبية مفاجئة.
إلى جانب ذلك، تظل التوترات الجيوسياسية والتغيرات المحتملة في السياسات التجارية والمالية مصدرًا إضافيًا للمخاطر، إذ يمكن لأي تصعيد سياسي أو اقتصادي أن ينعكس سريعًا على معنويات المستثمرين، لا سيما في ظل مستويات التقييم المرتفعة.
وتقف الأسهم الأمريكية اليوم عند مفترق طرق حقيقي. فمن جهة، يعكس الصعود القياسي للمؤشرات ثقة قوية في قدرة الشركات الأمريكية، لا سيما في قطاعات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، على تحقيق نمو طويل الأجل.
ومن جهة أخرى، تشير مؤشرات التقييم المرتفعة، وتركيز الأداء في عدد محدود من الشركات، إلى مخاطر لا يمكن تجاهلها.
قد يكون هذا الصعود مستدامًا إذا نجحت الابتكارات التكنولوجية في ترجمة الوعود إلى أرباح فعلية، واستمرت البيئة الاقتصادية في دعم النمو.
لكن في المقابل، فإن أي صدمة في الأرباح، أو تشديد مفاجئ في السياسة النقدية، قد يؤدي إلى إعادة تسعير للأسواق بشكل حاد.
في ظل هذا المشهد، يبدو أن الحذر والتنويع يظلان من أكثر الاستراتيجيات عقلانية، بينما تترقب الأسواق ما إذا كانت المرحلة المقبلة ستؤكد استمرارية الصعود… أم تكشف عن فقاعة محتملة على وشك الانفجار.
المصادر: فاينانشال تايمز- أسوشيتد برس- ماركت ووتش- بيزنس إنسايدر- ويدبوش للأبحاث الاستثمارية - سيكينغ ألفا- تريدينغ إيكونوميكس
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة ارقام ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من ارقام ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
