عرب وعالم / السعودية / عكاظ

نظرية المؤامرة.. الصواب المردود

whatsapp

تابع قناة عكاظ على الواتساب

أُقدّم اعتذاري في بداية المقال لكل من أقمت عليه حد الاستهجان بسبب نظرياته المؤامراتية في العقود الخالية، وبالذات أولئك من جيل الآباء. لقد كانت السنين الخمس الأخيرة حبلى بالمفاجآت التعيسة التي أظهرت صحة ما كان يحرّك تلك الذهنية المؤامراتية من توجّس وريبة. فمن فايروس يتسرّب من لكي يبيد العالم، ولقاح يخرج في أشهر معدودات لينقذه، وجزيرة يمارس فيها المسؤولون طقوساً جماعية من البغاء والمجون، وصهيونية شككنا بحجمها ونواياها اتضح أنها تُسيّر العالم الغربي على هواها، وإبادة يمارسها القوي أمام الكاميرات دون بنت شفة من الضعيف، وآلات ذكاء اصطناعي تتعاون لتشكّل وعياً جمعياً بهدف إخضاع البشرية، واقتصاد يعود بائساً إلى المعادن النفيسة لهشاشة أوراقه المالية، نجد أنفسنا مذهولين في صدمة مستمرة جعلتنا لا نستنكر شيئاً مهما بدت غرابته أو بانت وحشيته. كنا نستخف ونسخر من أقوال تدّعي أن اليهود يحكمون العالم، وأن إسرائيل الكبرى من نهر النيل إلى الفرات، وأن بعض قادة العالم تجمعهم ماسونية باطنية، وأن حقوق الإنسان كذبة كبرى ابتدعها الغرب، وأن نهاية العالم قد تكون بفايروس مصنوع أو بذكاء مصطنع، حتى بتنا نعيش بعضاً من كل ذلك واقعاً في خمس سنين غبراء.

قال لي أحد الزملاء هازئاً: ما علينا من الآن سوى تصديق نظرية المؤامرة بدل التحليلات العلمية المملة، فقد صَدّقها امتحان الزمن.

غير أني بعد الاعتذار أجد نفسي مضطراً لشرح سبب رد تلك الذهنية المؤامراتية وإصراري على دفعها حتى الآن. سبب إحجامي عن تقبّل المؤامراتية لم يكن يوماً يقيناً بخطئها أو نفوراً من عجيب طرحها، بقدر ما كان رغبة صادقة لعدم الميل عن منهج العقلانية والتدافع بالدليل. قد يقبل العقلاني أغرب الأحداث وأحلكها إذا توالت أدلة ملامسته للواقع، وقد يدفع الواضح والمبهج منها إذا تواترت أدلة الحيد عنه. إلا أني بدأت أتفهم منهج الريبة وتوقع الأسوأ عند المؤامراتي وقفزه على المنطق لصنع استنتاجات استلهمتها قريحته، بسبب إدراك خفي عنده لطبيعة البشر الشريرة وفهم تاريخي لمعاودتهم الدورة الفاسدة ذاتها. يزيد هذا الإدراك مع تقدم العمر البيولوجي عند القارئ النهم للتاريخ والمتابع المتفاني للسياسة، مما قد يقوده إلى الإنصات للصوت التوجسي بداخله والابتعاد عن العقلانية الساذجة حسب رأيه. أتكلم هنا عن المؤامراتي المطّلِع المُلِم بطبيعة الحال، فهناك من يركب على الموجة من الجهلاء ليتقيأ استنتاجات ما أنزل الله بها من سلطان، ودخول هؤلاء على الخط هو أكثر ما يُنفّر من الذهنية المؤامراتية. العقلانية في نهاية الأمر لها ما عليها، فهي ليست مطلقة حسب مدرسة هربرت سيمون، بل محدودة بضيق الوقت ونقص المعلومات والقيود المعرفية.

يقول سيمون أن العقلانيين في الغالب «إرضائيون» مجبولون دون علمهم على التوصل إلى أقرب الحلول المرضية عقلانياً، وليسوا «موسعين» في سعي متواصل منهك للوصول إلى أصدق الحلول العقلانية وأقربها للحقيقة. والعقلانية لا تصلح للإثبات، بل للتفنيد حسب مدرسة كارل بوبر، فلا يوجد هناك نظرية صحيحة بالإطلاق، وكل شيء قابل للتكذيب عبر التمحيص المستمر والإخضاع اللا متواني للتجربة العلمية، بهدف تفنيد ما ارتضاه العقلانيون أنفسهم. يوضح كل ذلك أن العقلانية تقدّم احترام العقل على بلوغ الحقيقة، وأنها منهج للتحري والشك أكثر منها أداة لبلوغ الواقع. فلا عجب إذن أن تكون العقلانية سبباً لدفع المؤامراتية بعيداً رغم فوز الأخيرة عليها جزئياً باختبار بلوغ الحقيقة في الآونة الأخيرة من الزمن.

قد يكون الأجدى للمؤامراتي أن يعترف بعبثية منهجه وتحجيمه للعقل قبل الرمي بنظرياته وإن أصابت، وللعقلاني أن يعلن أن الحقيقة وإن جانبها لا تستحق أبداً أن يقدّم لها عقله قرباناً.

ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة عكاظ ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من عكاظ ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.

قد تقرأ أيضا