اقتصاد / صحيفة الخليج

لماذا لم تمنع أضخم عقوبات في التاريخ الاقتصاد الروسي من النمو؟

منذ ثلاثينيات القرن الماضي، لم يخضع أي اقتصاد في العالم لكمّ العقوبات التي أخذ الغرب الجماعي وحلفاؤه بفرضها على الاقتصاد الروسي بعيد حربها على أوكرانيا، وعلى عكس إيطاليا واليابان، اللتين فرضت عليهما عقوبات مماثلة بسبب توسعاتهما العسكرية، تُعد روسيا الآن مصدّراً رئيسياً للنفط والحبوب والمعادن، وأظهرت قدرتها على الصمود والتحمّل رغم قسوة تلك الإجراءات.

وعلى الرغم من التقارير التي توقعت أن انهياراً وشيكاً سيحدث لاقتصاد موسكو في عام 2022، بعدما فرض الغرب عليها مع بداية الحرب عقوبات شاملة واسعة النطاق، إلا أن ذلك الانهيار لم يحدث، بل واصل الاقتصاد الروسي أداءه وحقق حتى ازدهاراً، وبينما عانى انكماشاً حقيقياً في إجمالي الناتج المحلي بنسبة 1.4 في المئة، عام 2022، فإنه سجل نمواً بقيمة حقيقية بأكثر من 4 في المئة في العام، على مدار العامين التاليين.

وفي 2025 اتجهت روسيا بحسب، روايتها الرسمية، إلى إبطاء وتيرة النمو الاقتصادي عمداً للحد من التضخم، إذ أعلن بوتين أن النشاط الاقتصادي في روسيا سجل نمواً 1% فقط في 2025، مؤكداً أن هذا البطء «لم يكن متوقعاً فحسب، بل كان إلى حدّ ما مقصوداً».

«قلعة حصينة»


ويرى خبراء روس في الاقتصاد، وإن اعترفوا بأن الاقتصاد الروسي ليس في أفضل حالاته بسبب العقوبات المفروضة والهجمات الأوكرانية والزيادة الحادة في الاستثمارات في المجمع الصناعي العسكري، أن روسيا لا تزال بعيدة كل البعد عن الانهيار الاقتصادي.

وأكدوا أنه إذا فشلت التسوية السياسية للحرب مع أوكرانيا، فإنه من الممكن أن يتكرر نهج الدولة في السنوات السابقة، والمتمثل في زيادة نفقات الميزانية مرة أخرى، ولو بشكل جزئي، لتنفيذ المهام العاجلة وتحفيز النشاط الاقتصادي.

ويمكن الاستنتاج، بحسب الخبراء، أن الاقتصاد الروسي صمد إلى حد كبير، بل وتحوّل إلى «قلعة حصينة» أمام ضغوط العقوبات.

فكيف تلتفّ موسكو على العقوبات؟

للصمود أمام هذا الزخم من العقوبات تتخذ روسيا عدداً من الخطوات لتخفيف أثرها في اقتصادها، تشمل إعادة التوجه نحو أسواق جديدة، وتطوير الإنتاج المحلي، وتعزيز النظام المالي، والاستخدام النشط للعملات الوطنية في التجارة.

وضمن إعادة التوجه نحو أسواق جديدة، تعمل روسيا، بصورة نشطة، على توسيع علاقاتها التجارية مع البلدان الأخرى، بخاصة مع آسيا، وإفريقيا، وأمريكا اللاتينية. وتتزايد الصادرات الروسية إلى الدول التي لم تنضم إلى العقوبات، لا سيما في قطاع . ويجري تطوير طرق لوجستية جديدة للالتفاف على القيود المفروضة على النقل البحري.

من جهة ثانية، تسعى روسيا إلى تطوير الإنتاج المحلي، واستبدال الواردات من الأسواق الخارجية، لذلك تعمل على تحفيز إنتاج السلع والخدمات داخل البلاد بهدف تقليل الاعتماد على الواردات. ويُقدّم الدعم إلى المنتجين المحليين، بما في ذلك من خلال الإعانات والقروض التفضيلية. كما تُفرض قيود على استيراد بعض السلع لحماية السوق المحلية.

وتعزز موسكو النظام المالي في البلاد من خلال التحول إلى التسويات بالعملة الوطنية (الروبل)، في التعاملات التجارية مع الدول الصديقة. وتُزال «الدولرة» من الاقتصاد، ما يقلل الاعتماد على النظام المالي الغربي. كما يجري إنشاء أنظمة دفع بديلة للالتفاف على القيود المفروضة على استخدام الأنظمة الدولية، مثل نظام «سويفت»، لذلك تتزايد احتياطيات الذهب والعملات الأجنبية، ويقوى الروبل، على الرغم من الكم الهائل من العقوبات المفروضة على روسيا.

وفي سياق التفافها على العقوبات الغربية، تعمل موسكو جاهدة للتركيز على السيادة التكنولوجية، فتستثمر في تطوير تكنولوجياتها الخاصة لتقليل اعتمادها على التكنولوجيا والمعدات المستوردة، ويجري دعم مطوري البرامج والأجهزة المحليين.

ويتخذ الكرملين تدابير أخرى لدعم المواطنين والشركات المتضررة من العقوبات، ويجري العمل على تعزيز الاستقرار الاقتصادي الكلي، ويُنفذ عمل إعلامي بصورة نشطة لمواجهة التأثير السلبي للعقوبات في الرأي العام.

يُشار إلى أن العقوبات لها بالتأكيد تأثير سلبي في الاقتصاد الروسي، ولكن التدابير المتخذة تجعل من الممكن التخفيف جزئياً من هذا التأثير، والتكيف مع الظروف الجديدة.

اختبارات جديدة


ومع ذلك، يظل هذا الصمود الروسي أمام اختبارات متجدّدة؛ فبينما يرى الخبراء أن التدابير المتخذة سمحت بالتكيف الجزئي مع الظروف الجديدة، وتخفيف حدة الآثار السلبية، تواصل العواصم الغربية تشديد الخناق الاقتصادي.

وفي هذا السياق، صرحت أورسولا فون دير لاين، رئيسة المفوضية الأوروبية، يوم الجمعة، بأن المفوضية تقترح حزمة جديدة وصارمة من العقوبات، تهدف إلى ضرب الشرايين الحيوية المتبقية للتجارة الروسية.

وتشمل هذه المقترحات حظراً كاملاً لخدمات النقل البحري لصادرات النفط الروسية، في محاولة لتقويض «أسطول الظل»، والطرق البديلة التي تعتمد عليها موسكو.

هل تواصل موسكو صمودها ؟


كما أوضحت فون دير لاين أن الحزمة الجديدة ستوسع نطاق المنع ليشمل استيراد المعادن والمواد الكيميائية والمعادن الهامة، التي لم تخضع للقيود من قبل، ما يضع استراتيجية «السيادة التكنولوجية» والإنتاج المحلي الروسي أمام تحدٍّ مباشر يهدف إلى استنزاف الموارد الحيوية للصناعة، العسكرية والمدنية، على حد سواء.

وعلى الرغم من نجاح (قلعة موسكو) في الصمود أمام عاصفة العقوبات، لكن التحدي الحقيقي، بحسب الخبراء، يكمن في (حرب الاستنزاف الاقتصادية) طويلة الأمد. فبينما يرى الكرملين في أرقام النمو انتصاراً، يرى خبراء دوليون أن الثمن قد يكون تخلفاً تكنولوجياً لعقود، وعزلة تجعل الاقتصاد الروسي رهينة لتقلبات أسعار الطاقة، وشهية الشركاء الآسيويين الجدد. فهل القلعة حصينة بما يكفي لمواجهة (صدأ) العزلة التقنية؟.

ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة صحيفة الخليج ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من صحيفة الخليج ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.

قد تقرأ أيضا