اقتصاد / ارقام

مفاعلات الجيل الجديد .. نهضة أم رِهان محفوف بالمخاطر؟

  • 1/2
  • 2/2

على ضفاف بحيرة ميشيغان الرملية، وبين غابات كثيفة، يقف مبنى خرساني رمادي ذو زوايا حادة، يبدو للوهلة الأولى كأنه مجرد منشأة صناعية مهجورة. لكنه في الواقع قد يكون رمزًا لنهضة نووية أمريكية جديدة، ومركزًا لواحد من أكثر الرهانات إثارة للجدل في قطاع العالمي.

 

محطة "باليسادز" النووية، التي تبعد نحو ساعتين بالسيارة عن مدينة شيكاغو، أُغلقت عام 2022 بعد أن اعتُبرت غير مجدية اقتصاديًا في ظل وفرة الغاز الطبيعي الرخيص في الولايات المتحدة. اليوم، تعود هذه المحطة إلى الواجهة، بعدما قررت شركة "هولتيك" " Holtec"، ومقرها فلوريدا، إعادة تشغيلها في خطوة غير مسبوقة في تاريخ الطاقة النووية الأمريكية.

 

لا تقتصر أهمية المشروع على كونه أول إعادة تشغيل لمحطة نووية أُغلقت سابقًا في الولايات المتحدة، بل لأنه قد يصبح أيضًا مهد أول مفاعلات نووية تجارية صغيرة الحجم، تُعرف باسم "المفاعلات المعيارية الصغيرة".

 

 

مفاعلات صغيرة بطموحات كبيرة

 

تُعد المفاعلات المعيارية الصغيرة نسخة مصغرة من المفاعلات النووية التقليدية، لكنها تُسوَّق على أنها أكثر أمانًا، وأقل تكلفة، وأسرع في البناء، وأسهل في التمويل. ومع تصاعد الطلب العالمي على الطاقة النظيفة والمستمرة على مدار الساعة، يتزايد الاهتمام بهذه التقنية بوتيرة متسارعة.

 

تكتسب هذه المفاعلات جاذبية خاصة لدى شركات التكنولوجيا العملاقة، التي تبحث عن مصادر طاقة موثوقة لتشغيل مراكز البيانات العملاقة، في ظل النمو الهائل لاستخدامات الذكاء الاصطناعي.

 

وقد تدفقت بالفعل استثمارات ضخمة من شركات التكنولوجيا الكبرى، بدعم سياسي ومالي من إدارة الرئيس دونالد ترامب، التي وضعت "المفاعلات المتقدمة" ضمن أولوياتها الاستراتيجية.

 

يقول مايكل كريغ، أستاذ نظم الطاقة والمناخ بجامعة ميشيغان، إن المفاعلات المعيارية الصغيرة "تعيش لحظة مثالية"، موضحًا أنها تجمع بين أفكار تقنية واعدة وإمكانات كبيرة، لكنها لا تزال في مرحلة اختبار الواقع.

 

تكلفة أقل.. لكن ليست رخيصة

 

رغم الحماس المتزايد، يحذر خبراء من أن الصورة ليست وردية بالكامل. فصحيح أن التكلفة الإجمالية للمفاعلات الصغيرة أقل من نظيراتها الضخمة، لكنها لا تزال مرتفعة للغاية مقارنة بمصادر الطاقة الأخرى، ما يعني أن سعر الكهرباء الناتجة عنها سيكون أعلى من الكهرباء المولدة من الرياح أو الطاقة الشمسية أو حتى الغاز الطبيعي.

 

إضافة إلى ذلك، فإن هذه المفاعلات تحتاج إلى سنوات طويلة قبل أن تبدأ التشغيل الفعلي. وحتى اليوم، لا يوجد سوى ثلاثة مفاعلات معيارية صغيرة تعمل فعليًا في العالم، اثنان منها في ، والثالث على متن بارجة روسية قبالة سواحل سيبيريا، ولا يوجد أي مفاعل من هذا النوع في الولايات المتحدة حتى الآن.

 

عودة إلى المستقبل

                                                                   

يصف نيك توران، المهندس النووي والمستشار المستقل، هذه الموجة بأنها "قصة عودة إلى المستقبل". ففي خمسينيات وستينيات القرن الماضي، امتلكت الولايات المتحدة عشرات المفاعلات الصغيرة، لكنها كانت جميعًا غير مجدية اقتصاديًا، ما دفع الصناعة لاحقًا إلى الاتجاه نحو المفاعلات العملاقة لتحقيق وفورات الحجم.

 

غير أن المفاعلات الضخمة تحولت بدورها إلى مشاريع معقدة وباهظة التكلفة، تعرّضت لتأخيرات كبيرة وتجاوزات مالية ضخمة، ما أدى إلى ركود الصناعة النووية الأمريكية أمام المنافسة الشرسة من الغاز الصخري الرخيص.

 

اليوم، يعود الرهان على "الصغير"، مع وعود بتقنيات ومواد جديدة تجعل التجربة هذه المرة مختلفة، لكن توران يؤكد أن "ذلك لم يُثبت بعد".

 

حل تكنولوجي لمشكلة مالية

 

يرى الخبراء أن جوهر فكرة المفاعلات الصغيرة يكمن في كونها حلًا تكنولوجيًا لمشكلة تمويلية. فبناء مفاعل نووي تقليدي قد يكلف عشرات المليارات من الدولارات، وهو ما لا يجذب المستثمرين. أما المفاعلات الصغيرة، التي تتراوح تكلفتها بين مئات الملايين ومليارات محدودة، فقد تكون أكثر جاذبية لرؤوس الأموال الخاصة.

 

كما تعتمد الفكرة على "التصنيع المعياري"، حيث تُنتج المفاعلات في مصانع مركزية، ثم تُنقل إلى مواقعها، ما يفترض أن يخفض التكاليف ويقلل المخاطر.

 

في هذا السياق، تخطط "هولتيك" لإعادة تشغيل مفاعل باليسادز التقليدي بقدرة 800 ميغاواط، إلى جانب تركيب مفاعلين صغيرين بقدرة 300 ميغاواط لكل منهما، يتم تصنيعهما في مصنع الشركة بولاية نيوجيرسي. وتأمل الشركة الحصول على الموافقات التنظيمية بحلول عام 2029، على أن يبدأ تشغيل المفاعلات الصغيرة في 2031.

 

 

سباق محموم وشكوك متزايدة

 

لكن هولتيك ليست وحدها في هذا السباق. فشركة "كايروس باور" Kairos Power، ومقرها كاليفورنيا، بدأت بالفعل في بناء مفاعل تجريبي في ولاية تينيسي، باستخدام تقنية تبريد مختلفة تعتمد على أملاح الفلوريد المنصهرة بدلًا من الماء. وتطمح الشركة إلى تشغيل مفاعل تجاري على الشبكة بحلول 2030.

 

وقد جذبت "كايروس" استثمارًا ضخمًا من شركة "غوغل"، التي وقعت اتفاقًا لنشر مفاعلات بقدرة إجمالية تصل إلى 500 ميغاواط، لتغذية مراكز بياناتها بالطاقة.

 

كما دخلت شركات أخرى على الخط، بينها "أمازون" التي استثمرت في شركة "إكس-إنرجي"، و"ميتا" التي وقعت اتفاقًا مع شركة "أوكْلو" لبناء منشأة نووية في ولاية أوهايو لدعم مراكز بياناتها.

 

مخاوف الكلفة والوقود والنفايات

 

ورغم تدفق الاستثمارات، يشدد منتقدو هذه المفاعلات على أن المشكلة الأساسية لا تزال قائمة: الكلفة. إذ يرى إدوين ليمان، مدير سلامة الطاقة النووية في اتحاد العلماء المعنيين، أن الطاقة النووية "لم تعد قادرة على المنافسة اقتصاديًا"، وأن المفاعلات الصغيرة تظل "سلعة فاخرة" من حيث تكلفة الكهرباء.

 

كما تواجه بعض التصاميم تحديات تتعلق بالوقود، خاصة تلك التي تعتمد على وقود "اليورانيوم منخفض التخصيب عالي النسبة" (HALEU)، الذي لا تزال سلاسل توريده محدودة وتعتمد بدرجة كبيرة على روسيا.

 

وتبرز أيضًا مخاوف تتعلق بالنفايات النووية، إذ تشير أبحاث إلى أن بعض المفاعلات الصغيرة قد تنتج نفايات أكثر من المفاعلات التقليدية بسبب انخفاض كفاءتها في استخدام الوقود.

 

السلامة والتنظيم.. بين التسريع والمخاطرة

 

مع تسارع الجهود لتسريع التراخيص وتخفيف القيود التنظيمية، يحذر بعض الخبراء من مخاطر التسرع على حساب السلامة. بينما تؤكد وزارة الطاقة الأمريكية أن أعلى معايير الأمان ستظل مطبقة.

 

وفي ، ينقسم الخبراء بين من يرى في المفاعلات المعيارية الصغيرة تشتيتًا مكلفًا قد لا يفي بوعوده، ومن يعتبرها استثمارًا ضروريًا لاختبار مستقبل الطاقة النظيفة المستقرة.

 

ويبقى السؤال الحاسم، كما يقول توران: "من سيتمكن من تشغيل مفاعل صغير بطريقة اقتصادية؟". الإجابة على هذا السؤال وحدها ستحدد ما إذا كانت هذه المفاعلات تمثل مستقبل الطاقة النووية، أم مجرد فصل جديد في تاريخ وعود لم تكتمل.

 

المصدر: "سي إن إن"

ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة ارقام ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من ارقام ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.

قد تقرأ أيضا