تكنولوجيا / البوابة العربية للأخبار التقنية

تسخير ثورة الذكاء الاصطناعي في الإعلام العربي

تشهد صناعة الإعلام العالمية تحولًا جذريًا مدفوعًا بالذكاء الاصطناعي، إذ يتوقع تقرير «برايس ووترهاوس كوبرز» (PwC) أن يضيف الذكاء الاصطناعي قرابة خمسة عشر تريليونًا وسبعمئة مليار دولار إلى الاقتصاد العالمي بحلول عام 2030، مع حصة كبيرة لقطاعات المحتوى والإعلام والإعلان. ويأتي هذا التحول في وقت يواجه فيه الإعلام العربي تحديات بنيوية تتعلق بانخفاض العوائد الإعلانية التقليدية، وتشتت الجمهور، وتآكل الثقة، مما يجعل توظيف الذكاء الاصطناعي ليس ترفًا تقنيًا، بل خيارًا إستراتيجيًا مرتبطًا ببقاء المؤسسات وقدرتها على المنافسة إقليميًا ودوليًا.

تشير تقديرات تقارير ودولية إلى أن نسبة إنفاق المؤسسات الإعلامية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا على أدوات الذكاء الاصطناعي لا تزال أقل من خمسة في المئة من إجمالي إنفاقها التقني، مقارنة بنسب تصل إلى عشرين في المئة في مؤسسات غربية رائدة. مع ذلك، أعلنت حكومات عربية مثل والسعودية وقطر إستراتيجيات وطنية للذكاء الاصطناعي، وبدأت مؤسسات إعلامية كبرى في المنطقة تجارب ملموسة في غرف الأخبار المعززة بالذكاء الاصطناعي، وهذا ما يفتح نافذة فرصة لبناء نموذج عربي مختلف للإعلام الذكي إذا استوعب صانعو القرار حجم التحول ووضعوا له خريطة طريق واضحة.

تستعرض هذه المادة قراءة عميقة لكيفية تسخير ثورة الذكاء الاصطناعي في مسيرة الإعلام العربي، من خلال تحليل الواقع الراهن، واستعراض التطبيقات العملية، وبيان التحديات الأخلاقية والمهنية، ثم رسم ملامح رؤية إستراتيجية وخريطة طريق قابلة للتنفيذ على مستوى المؤسسات والهيئات التنظيمية.

من الصحافة الورقية إلى غرف الأخبار الذكية

شهد الإعلام العربي خلال العقود الأربعة الماضية ثلاث موجات تحول رئيسية؛ الأولى مع انتشار الفضائيات في التسعينيات، والثانية مع صعود الإنترنت ومواقع الأخبار في العقد الأول من الألفية، والثالثة مع انفجار شبكات التواصل الاجتماعي منذ قرابة عام 2010. واليوم يتجه القطاع نحو موجة رابعة محورها الذكاء الاصطناعي التوليدي والتحليلي، ومن ذلك نماذج اللغة الكبيرة، وخوارزميات التوصية، وأدوات المعالجة الآلية للفيديو والصوت.

استفادت مؤسسات إعلامية عالمية من الموجة الماضية مبكرًا؛ إذ استخدمت وكالة «أسوشيتد برس» منذ عام 2014 خوارزميات لإنتاج أخبار مالية وروتينية، واستعانت «واشنطن بوست» بنظام «Heliograf» خلال انتخابات 2016 لتوليد تقارير آلية عن النتائج المحلية. أما اليوم، فقد انتقل النقاش عالميًا من استخدام محدود لأدوات الأتمتة إلى إعادة تصميم كاملة لسير العمل الصحفي اعتمادًا على الذكاء الاصطناعي، من جمع البيانات إلى النشر وتخصيص المحتوى للفرد الواحد.

في العالم العربي، تبنت بعض المؤسسات الكبرى في دول الخليج وشمال أفريقيا أدوات ذكاء اصطناعي في جوانب متفرقة مثل أرشفة المحتوى، وإدارة منصات التواصل الاجتماعي، وإنشاء ترجمات آلية. لكن الاستخدام لا يزال غالبًا تجريبيًا أو مجزأً، ولا يرتقي إلى مستوى إستراتيجيات غرف أخبار “مأجورة بالبيانات” أو “معززة بالذكاء الاصطناعي” كما تصفها المؤسسات الغربية. ويظهر الفارق بوضوح عند مقارنة نسب الاعتماد على أدوات التحليل الآلي في اتخاذ القرارات التحريرية؛ إذ تشير تقارير مهنية إلى أن أكثر من ستين في المئة من غرف الأخبار في أوروبا وأمريكا الشمالية تستخدم تحليلات متقدمة لاتخاذ قرارات تتعلق بالموضوعات والعناوين وتوقيت النشر، مقابل نسب أقل كثيرًا في العالم العربي.

هذا الوضع يطرح سؤالًا محوريًا: كيف ينتقل الإعلام العربي من مرحلة التجارب المنعزلة إلى نموذج مؤسسي متكامل لتسخير الذكاء الاصطناعي ضمن رؤية واضحة المعالم وخريطة طريق عملية؟

عملية: كيف يغيّر الذكاء الاصطناعي العمل الصحفي؟

يدخل الذكاء الاصطناعي اليوم في معظم مراحل دورة إنتاج المحتوى، من الرصد إلى التوزيع والتفاعل مع الجمهور. ويمكن تقسيم مجالات تطبيقه في الإعلام العربي إلى محاور رئيسية تشكل معًا أساس التحول الرقمي العميق.

أولًا: رصد الأخبار والتحقق من المحتوى

يستطيع الذكاء الاصطناعي تحليل كميات ضخمة من البيانات من منصات التواصل الاجتماعي، ووكالات الأنباء، والمصادر المفتوحة في الزمن الحقيقي، لاكتشاف القصص الصاعدة والاتجاهات العامة. تعتمد العديد من غرف الأخبار العالمية على أدوات تحليل السوشيال ميديا لرصد الهاشتاغات والموضوعات الرائجة، وربطها بمناطق جغرافية أو فئات سكانية محددة.

بالإضافة إلى ذلك، تؤدي تقنيات «رؤية الحاسوب» و«الكشف عن التلاعب الرقمي» دورًا حاسمًا في التحقق من الصور والفيديوهات، مع انتشار ظاهرة «التزييف العميق». طورت مؤسسات بحثية وتقنية أدوات لكشف التلاعب في ملامح الوجه أو تحليل بيانات الصورة الوصفية، ويمكن للإعلام العربي تبني هذه الأدوات أو تطوير حلول محلية، خصوصًا أن المنطقة تشهد بيئات استقطاب سياسي ومعلومات مضللة في أوقات الأزمات.

ثانيًا: الأتمتة الجزئية لكتابة الأخبار

قدّم الذكاء الاصطناعي التوليدي، اعتمادًا على نماذج لغوية كبيرة، إمكانات واسعة في أتمتة كتابة أنواع معينة من الأخبار التي تعتمد على قوالب ثابتة وبيانات رقمية، مثل تقارير نتائج الشركات، ونشرات الطقس، وتغطية المباريات. تسمح هذه الأدوات بإنتاج عدد كبير من المواد النصية في وقت قصير، مع تحرير الصحفيين للتركيز على التحقيقات المعمقة والتحليل والقصص الإنسانية.

أوضحت تجارب عالمية أن نسبة الأخطاء في هذه الأخبار الآلية تكون منخفضة ما دامت البيانات الأولية دقيقة، وأن القرّاء لا يميزون غالبًا بين النص الذي يكتبه الإنسان والنص الذي تولده الخوارزمية في الأنماط الخبرية البسيطة. غير أن نقل هذه التجربة إلى العالم العربي يتطلب معالجة خاصة للغة العربية بتعقيداتها الصرفية والنحوية، إذ لا تزال نماذج اللغة العربية أقل تطورًا من نظيراتها في الإنجليزية والصينية.

بدأت بعض المنصات العربية الناشئة في استخدام أنظمة توليد نصوص عربية لتلخيص الأخبار أو إعادة صياغتها، كما تظهر تجارب محدودة في مؤسسات كبرى لتوليد “مسودات أولية” يراجعها المحرر قبل النشر. ومع تطور النماذج اللغوية العربية خلال الأعوام المقبلة، يمكن أن توسع المؤسسات هذا الاستخدام مع وضع ضوابط تحريرية واضحة.

ثالثًا: إنتاج الفيديو والصوت والرسوم التوضيحية

لم يعد الذكاء الاصطناعي مقتصرًا على النصوص؛ إذ ظهرت أدوات قادرة على توليد مقاطع قصيرة انطلاقًا من نصوص مكتوبة، أو توليد أصوات بشرية قريبة من الطبيعية باللغة العربية بلهجات مختلفة. يمكن للمؤسسات الإعلامية توظيف هذه التقنيات في إنتاج نشرات صوتية يومية (بودكاست آلي)، أو مقاطع “تفسيرية” قصيرة موجهة للشبكات الاجتماعية، أو نسخ مترجمة بصوت آلي لمحتوى مرئي بلغات أخرى.

تشير بيانات سوق البودكاست العالمي إلى نمو سنوي مركب يتجاوز عشرين في المئة في بعض المناطق، في حين أنه يُتوقع نمو سوق الفيديو القصير بأرقام أكبر. في هذا السياق، يوفر الذكاء الاصطناعي للإعلام العربي فرصة لزيادة إنتاج المحتوى الصوتي والبصري دون الحاجة إلى مضاعفة الموارد البشرية، مع الحفاظ على حد أدنى من الجودة عندما يخضع المحتوى لمراجعة بشرية.

كما تسهم أدوات توليد الرسوم البيانية والإنفوغرافيك آليًا في تسريع إنتاج المواد التفسيرية، خصوصًا في التغطيات الاقتصادية والبيئية والصحية، إذ يؤدي تبسيط البيانات المعقدة دورًا مهمًا في رفع وعي الجمهور.

رابعًا: التخصيص وإستراتيجيات التوزيع

أحد أهم أوجه الثورة التي أحدثتها المنصات الرقمية في الإعلام هو الانتقال من نموذج “رسالة واحدة لجمهور واسع” إلى نموذج “محتوى مخصص لكل فرد تقريبًا”. تقود خوارزميات التوصية لدى المنصات العالمية مثل ويوتيوب وتيك توك هذا التحول، مستفيدة من بيانات تفصيلية عن سلوك المستخدمين.

يمكن للمؤسسات الإعلامية العربية أن تطور نظم توصية خاصة بها، أو تعتمد منصات جاهزة، من أجل تخصيص الصفحة الرئيسية، والنشرات البريدية، وإشعارات التطبيقات، بحيث يحصل كل مستخدم على محتوى أقرب إلى اهتماماته وسلوكه. أثبتت تجارب دولية أن التخصيص المدعوم بالذكاء الاصطناعي يرفع مدة التفاعل مع المحتوى بنسبة تتراوح بين ثلاثين وخمسين في المئة في المتوسط، ويزيد احتمالات الاشتراك المأجور والتجديد السنوي.

مع ذلك، يتطلب هذا التوجه معالجة دقيقة لقضايا الخصوصية وتحيز الخوارزميات، إذ قد يؤدي التخصيص المفرط إلى “فقاعات معلوماتية” تكرّس الانقسام الاجتماعي عبر تزويد المستخدم بما يؤكد قناعاته السابقة فقط. وهنا يبرز دور غرف الأخبار في موازنة الخوارزميات بقيم التحرير الصحفي.

خامسًا: إدارة غرف الأخبار وتحسين القرارات

يمتد استخدام الذكاء الاصطناعي إلى إدارة الموارد والتحليل المالي داخل المؤسسات الإعلامية. تساعد أدوات التحليل التنبئي في تقدير أداء الموضوعات المختلفة قبل نشرها، والتحكم في توقيت النشر عبر تحليل بيانات الذروة، وتحسين تخصيص الموارد البشرية بين الأقسام، إضافة إلى نمذجة سيناريوهات الإيرادات الإعلانية والاشتراكات.

تشير استطلاعات مهنية أوروبية إلى أن قرابة خمسين في المئة من رؤساء التحرير يتخذون قرارات تحريرية يومية مبنية جزئيًا على لوحات بيانات مدعومة بالذكاء الاصطناعي، تتضمن توقعات معدلات القراءة والتفاعل. ويمكن للمؤسسات العربية أن تستفيد من هذا النهج لتحسين فاعلية محتواها دون التفريط باستقلال القرار التحريري.

عوائق أمام تأسيس إعلام عربي «معزز بالذكاء الاصطناعي»

مع الإمكانات الكبيرة، تواجه عملية تسخير الذكاء الاصطناعي في الإعلام العربي جملة من التحديات البنيوية والتقنية والأخلاقية، التي يجب التعامل معها في إطار رؤية إستراتيجية متكاملة.

1. فجوة البنية التحتية والبيانات

تتفاوت مستويات جاهزية البنية التحتية الرقمية في العالم العربي؛ إذ تحتل بعض الدول الخليجية مراتب متقدمة عالميًا في مؤشرات سرعة الإنترنت واعتماد الحوسبة السحابية، في حين أنه تعاني دول أخرى ضعفًا شديدًا في البنية الأساسية، مما يحد من قدرة مؤسساتها الإعلامية على تبني حلول متقدمة. كما تفتقر كثير من المؤسسات إلى قواعد بيانات منظمة عن محتواها وأرشيفها وجمهورها، الأمر الذي يقلّص فاعلية الأدوات الذكية التي تعتمد على بيانات نظيفة وكافية.

تشير تقديرات متخصصة إلى أن أكثر من ثمانين في المئة من البيانات المؤسسية في المنطقة غير مهيكلة أو غير مستغلة، وهذا يعني أن خطوة أساسية على خريطة الطريق تتمثل في بناء نظم إدارة بيانات وأرشفة رقمية معيارية قبل القفز إلى استخدامات متقدمة للذكاء الاصطناعي.

2. ضعف التقنيات اللغوية العربية

مع التقدم الملحوظ في نماذج اللغة العربية في الأعوام الأخيرة، لا تزال الموارد اللغوية العربية (من corpora مشروحة، وقواميس، وبيانات تدريب عالية الجودة) أقل بكثير من نظيراتها الإنجليزية. وينعكس ذلك على دقة أدوات تعرُّف الكلام العربي، وجودة الترجمة الآلية من العربية وإليها، وقدرة النماذج التوليدية على إنتاج نصوص عربية متماسكة وبلهجات متنوعة.

كشفت دراسات أكاديمية أن دقة أنظمة تعرُّف الكلام العربي في ظروف الاستخدام الواقعي تتراوح بين سبعين وخمسة وثمانين في المئة تبعًا للهجة وجودة الصوت، مقارنة بدقة تتجاوز خمسة وتسعين في المئة في الإنجليزية ضمن أنظمة متقدمة. كما تعاني نماذج توليد النصوص العربية من مشكلات في التشكيل والاتساق النحوي، وإن بدأت فجوة الجودة تضيق مع إدخال تحديثات مستمرة.

يتطلب سد هذه الفجوة استثمارات مشتركة بين الجامعات، والشركات التقنية، والمؤسسات الإعلامية، لإنتاج مجموعات بيانات عربية كبيرة ومتنوعة، تشمل الأخبار، والمحكية، والمحتوى المرئي المفرّغ، مع مراعاة حقوق الملكية الفكرية.

3. التحديات الأخلاقية والمهنية

يوجد قلق واسع بين الصحفيين العرب والعالميين من أن يؤدي انتشار الذكاء الاصطناعي إلى تهميش دور الإنسان في العملية الإخبارية، أو إلى استبدال الصحفيين بأنظمة آلية. يترافق هذا القلق مع مخاوف من تراجع جودة المحتوى وانتشار الأخبار الزائفة، خاصة في ظل سهولة إنتاج نصوص وصور وفيديوهات مزيفة عبر أدوات التزييف العميق.

تتعلق المخاطر أيضًا بمسألة تحيز الخوارزميات؛ إذ تتعلم نظم الذكاء الاصطناعي من بيانات تاريخية قد تحمل تحيزات اجتماعية وجندرية وسياسية، مما ينعكس في طريقة ترتيب الأخبار أو اختيار المصادر أو التعامل مع موضوعات حساسة. وإذا لم تتبنِ المؤسسات الإعلامية العربية سياسات واضحة للتحقق من عمل الخوارزميات، فقد تساهم في تكريس هذه التحيزات بدلًا من مواجهتها.

لهذه الأسباب بدأت هيئات دولية، مثل «اليونسكو» و«الاتحاد الدولي للصحفيين»، نشر مبادئ إرشادية لاستخدام الذكاء الاصطناعي في الصحافة، تركز على الشفافية، وخضوع الأنظمة للإنسان، وإقرار مسؤولية التحرير النهائية للصحفي، وعدم إخفاء دور الآلة عن الجمهور. ويحتاج الإعلام العربي إلى تكييف هذه المبادئ مع سياقاته القانونية والثقافية.

4. فجوة المهارات والكفاءات

تعاني غرف الأخبار العربية فجوة واضحة في المهارات الرقمية المتقدمة؛ إذ يلزم كثيرًا من الصحفيين دوراتٌ تدريبية عميقة لفهم أساسيات تحليل البيانات، أو التعامل مع واجهات برمجة التطبيقات، أو استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي التخصصية. كما تتسم هياكل بعض المؤسسات الإعلامية بالتقليدية، مما يعوق دمج خبرات تقنية ضمن فرق التحرير.

تشير استطلاعات مهنية، أجرتها مؤسسات بحثية إعلامية في المنطقة، إلى أن نسبة قليلة من الصحفيين العرب تلقوا تدريبًا منهجيًا على أدوات الذكاء الاصطناعي يتجاوز ورشات التعريف السريعة، وأن بعضهم يفتقر إلى الموارد التقنية اللازمة لتجربة الأدوات بشكل عملي. يتطلب سد هذه الفجوة شراكات بين كليات الإعلام والجهات التقنية، وتصميم “صحافة بيانات” و”صحافة معززة بالذكاء الاصطناعي” متخصصة.

5. التنظيمية والملكية الفكرية

لا تزال الأطر القانونية المنظمة لاستخدام الذكاء الاصطناعي في الإعلام قيد التشكل عالميًا وعربيًا؛ إذ تظهر أسئلة متزايدة عن حقوق الأخبار والمواد الصحفية في سياق تدريب النماذج، وحدود استخدام المحتوى المولّد آليًا، ومسؤولية المؤسسات عن الأخطاء الناتجة عن الخوارزميات. بعض الدول العربية أقرّت قوانين لحماية البيانات الشخصية وأطرًا عامة للذكاء الاصطناعي، لكن القليل منها خصص بنودًا واضحة لمجال الإعلام والمحتوى.

تحتاج المؤسسات الإعلامية إلى عقود وتفاهمات قانونية مع مزودي خدمات الذكاء الاصطناعي توضح حقوق استخدام البيانات، وضمانات حماية قواعد بياناتها وأرشيفها، وحدود مزامنتها مع أنظمة عامة. كما يلزم وضع سياسات داخلية تضمن عدم انتهاك حقوق المؤلفين عند استخدام أدوات التوليد والتحرير الآلي.

رؤية إستراتيجية: نحو نموذج عربي للإعلام المعزز بالذكاء الاصطناعي

يتطلب تسخير ثورة الذكاء الاصطناعي في الإعلام العربي الانتقال من ردود الفعل التقنية المتفرقة إلى رؤية إستراتيجية طويلة الأمد، تتوزع مسؤولياتها بين ثلاثة مستويات رئيسية: المؤسسات الإعلامية ذاتها، والهيئات التنظيمية وصانعي السياسات، والمنظومة التعليمية والبحثية.

أولًا: إستراتيجيات داخل غرف الأخبار

يمكن رسم معالم خريطة طريق عملية لأي مؤسسة إعلامية عربية عبر مجموعة من الخطوات المتدرجة؛ منها:

  • تشخيص الواقع الرقمي: بإجراء مراجعة شاملة للبنية التقنية الحالية، وأرشيف المحتوى، ونظم إدارة البيانات، وأدوات التحليل المستخدمة؛ لتحديد نقاط القوة والضعف.
  • تأسيس وحدة “ابتكار إعلامي” داخل المؤسسة: تضم صحفيين وتقنيين ومحللي بيانات، تتولى اختبار أدوات الذكاء الاصطناعي، وبناء نماذج أولية لسير العمل المعزز بالذكاء الاصطناعي، وتقييم أثرها التحريري والاقتصادي.
  • تصميم “سير عمل هجين”: يدمج الذكاء الاصطناعي في نقاط محددة مثل الرصد، والتفريغ الصوتي، والتلخيص، مع إبقاء القرارات التحريرية الأساسية بيد الإنسان، ووضع ضوابط تمنع الاعتماد الأعمى على مخرجات الآلة.
  • تطوير سياسات تحريرية واضحة: تتضمن قواعد لاستخدام النصوص المولدة آليًا، متى يذكر دور الذكاء الاصطناعي للقارئ؟ وكيف تُراجع المواد آليًا وبشريًا قبل النشر؟ وما حدود تعديل الصحفي للمخرجات الآلية؟
  • الاستثمار في التحليلات المتقدمة: بتبنّي أدوات تحليل سلوك الجمهور وتخصيص المحتوى، مع وضع حواجز تحمي التنوع في الطرح وعدم الانجرار وراء “ما تطلبه الخوارزمية” على حساب المسؤولية المجتمعية.

تستطيع المؤسسات الكبرى إنشاء مراكز بيانات داخلية، أو الاعتماد على منصات سحابية إقليمية، لبناء نماذج توصية خاصة، ولوحات تحكم تفاعلية لقادة التحرير. أما المؤسسات الصغيرة والمتوسطة فيمكن أن تستفيد من أدوات جاهزة منخفضة التكلفة، مع التركيز على بناء ثقافة داخلية منفتحة على التجريب والتحسين.

ثانيًا: دور الهيئات التنظيمية وصانعي السياسات

يتجاوز التحول المرتبط بالذكاء الاصطناعي حدود المؤسسات الفردية؛ إذ يتطلب بيئة تشريعية وتشجيعية على مستوى الدول. يمكن للهيئات المعنية بالإعلام والاتصالات في العالم العربي أن تسهم في رسم خريطة الطريق عبر:

  • وضع أطر تنظيمية واضحة: تشمل تعريفًا قانونيًا للمحتوى المولّد آليًا، وحدود مسؤولية المؤسسات عنه، وقواعد استخدام البيانات الصحفية في تدريب النماذج، وحماية المعطيات الشخصية للجمهور.
  • دعم منصات بيانات عربية مشتركة: من خلال مشروعات وطنية أو إقليمية للأرشفة الرقمية للصحف والقنوات، وتوفير نسخ منقحة لأغراض التدريب البحثي والتطبيقي، بما يحفظ الحقوق.
  • تشجيع الشراكات بين الإعلام والقطاع التقني: عبر منح تحفيزات ضريبية أو تمويلية للمبادرات المشتركة التي تطور حلولًا عربية للذكاء الاصطناعي في الإعلام، أو حاضنات أعمال مختصة في الإعلام الرقمي الذكي.
  • تعزيز الشفافية ومكافحة التلاعب: من خلال إلزام المنصات الكبرى العاملة في السوق العربية بالكشف عن مبادئ خوارزمياتها في ترتيب المحتوى الإخباري، والتعاون في مواجهة حملات التضليل المدعومة بالذكاء الاصطناعي.

يكتسب هذا الدور أهمية خاصة في ظل توقعات بتوسع نطاق استخدام الذكاء الاصطناعي في الحملات السياسية والإعلانية، مما يفرض على الجهات المنظمة للإعلام ومفوضيات الانتخابات تطوير قدرات تقنية ورقابية موازية.

ثالثًا: التعليم والبحث العلمي

لا يمكن لإستراتيجية إعلامية عربية في عصر الذكاء الاصطناعي أن تنجح دون إصلاح في منظومة التعليم والبحث المرتبطة بالإعلام والاتصال، ويتطلب الأمر:

  • تحديث مناهج كليات الإعلام: بإدخال مقررات عن الذكاء الاصطناعي في الإعلام، وصحافة البيانات، والتحقق الرقمي، والأخلاقيات الرقمية، إلى جانب تدريب عملي على أدوات حقيقية.
  • إنشاء برامج مشتركة بين الإعلام وعلوم الحاسوب: لتخريج “صحفيي بيانات” و”مهندسي منتجات إعلامية” قادرين على فهم الخوارزميات ومنطقها، وربطها بالاحتياجات التحريرية.
  • دعم مراكز متخصصة: تدرس أثر الذكاء الاصطناعي على الإعلام العربي، وتحلل تحيّز الخوارزميات تجاه اللغات والثقافات غير المهيمنة، وتقترح نماذج بديلة أكثر عدالة.

يمكن للجامعات العربية أن تستفيد من الشراكات مع المؤسسات الدولية والمنصات التقنية الكبرى للحصول على أدوات بحثية وتدريبية، خاصة في ظل توجّه هذه الشركات إلى توسيع حضورها في المنطقة.

نماذج وتجارب: ما الذي يمكن تعلّمه عالميًا؟

تُظهر تجارب مؤسسات إعلامية حول العالم مسارات مختلفة لتبني الذكاء الاصطناعي، مع قاسم مشترك يتمثل في المزج بين التقنية والحكم التحريري الإنساني.

اعتمدت «نيويورك تايمز» إستراتيجية قائمة على بناء فرق داخلية تضم صحفيين ومهندسين ومصممين للعمل على “منتجات إخبارية”، وليس على مقالات منفردة فقط. تستفيد هذه الفرق من الذكاء الاصطناعي لتخصيص الصفحة الرئيسية، وتحسين توصيات المقالات، وتطوير أدوات داخلية لاقتراح عناوين وتجميع سياقات القصص، دون أن تتخلى عن دور المحرر في القرار النهائي.

في المقابل، ركزت مؤسسات سويدية وهولندية أصغر على أتمتة أجزاء واسعة من الأخبار المحلية والرياضية عبر الذكاء الاصطناعي، لتغطية مناطق لم يكن ممكنًا تغطيتها بشريًا بسبب محدودية الموارد. أشارت دراسات مهنية إلى أن هذه التجارب لم تؤدِّ إلى خفض كبير في عدد الصحفيين، بل أعادت توزيع الأدوار لزيادة التركيز على الصحافة الاستقصائية والتحليلات.

يمكن للإعلام العربي أن يستفيد من هذه النماذج عبر تبني مقاربة تدريجية: بالبدء بأتمتة الأعمال الروتينية المنخفضة القيمة المضافة، وربط أدوات الذكاء الاصطناعي بالتحرير بدلًا من فصلها في أقسام تقنية معزولة، والاستثمار في بناء ثقافة مؤسسية ترى في الذكاء الاصطناعي أداة مساعدة لا بديلًا عن الصحفي.

خريطة طريق عملية حتى عام 2030

استنادًا إلى المعطيات الحالية والتوقعات الاقتصادية، يمكن رسم ملامح خريطة طريق عامة للإعلام العربي في مجال الذكاء الاصطناعي تمتد حتى عام 2030، مع إدراك التفاوت بين الدول والمؤسسات.

المرحلة الأولى (من 2024 حتى عام 2026): البناء القاعدي والتجريب

  • تحسين البنية التحتية الرقمية داخل المؤسسات (نظم إدارة المحتوى، وقواعد البيانات، والأرشفة الرقمية).
  • تخصيص ميزانيات محددة للذكاء الاصطناعي، حتى لو كانت تشكل خمسة في المئة من الإنفاق التقني في البداية، مع مراجعة سنوية.
  • إطلاق مشروعات تجريبية في: تفريغ المقابلات صوتيًا، وتلخيص الأخبار، وترجمة المحتوى، مع تقييم دقيق للعائد والجودة.
  • تدريب دفعات أولى من الصحفيين على استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي اليومية، وإشراكهم في تطوير السياسات الداخلية.

المرحلة الثانية (2026-2028): الدمج المنهجي والتوسع

  • دمج الذكاء الاصطناعي في معظم مراحل دورة الإنتاج داخل غرف الأخبار، عبر سير عمل موثق ومراجعة مستمرة.
  • تبنّي نظم تخصيص للمحتوى في المواقع والتطبيقات، وتحسين إستراتيجيات النشرات البريدية والإشعارات الذكية.
  • إطلاق قنوات صوتية ومرئية مدعومة بالذكاء الاصطناعي (بودكاست آلي، نشرات قصيرة متعددة اللغات).
  • المشاركة في منصات بيانات عربية مشتركة، أو بناء شراكات مع مراكز بحث لتطوير نماذج لغوية عربية محسنة.

المرحلة الثالثة (2028-2030): النضج والابتكار

  • الانتقال من مجرد استخدام الأدوات إلى تصميم منتجات إعلامية جديدة بالكامل تعتمد على الذكاء الاصطناعي؛ مثل منصات تفاعلية للقصص، وتجارب واقع معزز مرتبطة بالأخبار.
  • تعزيز التعاون الإقليمي بين مؤسسات إعلامية عربية لتبادل الخبرات وبناء معيارية أخلاقية ومهنية في استخدام الذكاء الاصطناعي.
  • المساهمة في النقاش العالمي حول تنظيم الذكاء الاصطناعي في الإعلام، من منظور عربي، يراعي التعددية اللغوية والثقافية.

يتوقف نجاح هذه الخريطة على قدرة المؤسسات على التعامل المرن مع التحولات التقنية، وعلى استعدادها لتغيير الثقافة الداخلية، وليس فقط شراء أدوات جديدة. فالذكاء الاصطناعي لا ينجح في بيئات تعاني مقاومة للتغيير، أو تفتقر إلى قيادة تدرك أهمية البيانات والمعرفة الرقمية.

خاتمة: الذكاء الاصطناعي فرصة لإعادة تعريف دور الإعلام العربي

يمنح الذكاء الاصطناعي الإعلام العربي فرصة نادرة لإعادة تعريف دوره في مجتمعاته، من منصات تبث الرسائل الأحادية الاتجاه، إلى مؤسسات معرفية تفاعلية قادرة على فهم جمهورها في الزمن الحقيقي، وتقديم محتوى أعمق وأكثر تنوعًا، وممارسة رقابة أقوى على السلطة والمال، مستفيدة من أدوات تحليل البيانات وكشف التلاعب الرقمي.

لا يعني هذا أن الطريق خال من المخاطر؛ فالتوظيف غير الحكيم للذكاء الاصطناعي قد يفاقم التحيز، ويزيد فجوة الثقة، ويحوّل غرف الأخبار إلى ملحقات لخوارزميات منصات عالمية لا تخضع للمساءلة المحلية. لكن تبني رؤية إستراتيجية وخريطة طريق متدرجة، تراعي البنية التحتية والمهارات والأخلاقيات، يمكن أن يحول هذه الثورة التقنية إلى رافعة حقيقية لمسيرة الإعلام العربي، بدلًا من أن يكون مجرد مستهلك متأخر لما ينتجه الآخرون.

في ميزان الفرص والمخاطر، يملك الإعلام العربي اليوم هامشًا زمنيًا محدودًا للتحرك؛ فالموجة الجارية من الذكاء الاصطناعي ليست مجرد دورة تقنية عابرة، بل هي تحول هيكلي سيعيد رسم خرائط السلطة والمعرفة والاقتصاد عالميًا. والسؤال الأهم لم يعد: هل سيستخدم الإعلام العربي الذكاء الاصطناعي أم لا، بل: بأي رؤية سيستخدمه، ولخدمة أي نموذج إعلامي ومجتمعي.

ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة البوابة العربية للأخبار التقنية ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من البوابة العربية للأخبار التقنية ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.

قد تقرأ أيضا