تابع قناة عكاظ على الواتساب
في إدارة الاقتصادات الكبرى، لا تُقاس الجدية بمدى التمسك بالخطة كما أُعلنت، بل بمدى القدرة على مراجعتها حين تتغيّر المعطيات. فالخطط الإستراتيجية ليست نصوصاً جامدة، بل أدوات تُبنى على بيانات، وتُختبر بالواقع، وتُعدل وفق المستجدات. وكلما ارتفع حجم الطموح، وتعاظمت قيمة المشاريع، وتداخلت الأسواق العالمية في حساباتها، أصبحت المراجعة الدورية شرطاً من شروط النجاح، لا علامة ارتباك. فالدولة التي تُدير استثمارات بمئات المليارات لا تملك رفاهية الجمود، بل تحتاج إلى عقل مؤسسي يقرأ الأرقام قبل الانطباعات، ويُقدّم الاستدامة على الإيقاع الإعلامي.
خلال منتدى صندوق الاستثمارات العامة المنعقد مؤخراً في العاصمة الرياض، جاءت الإشارات الواضحة إلى إعادة ترتيب بعض الأولويات وجدولة عدد من المشاريع الكبرى لتُقرأ في سياقها الطبيعي: ليس بوصفها تراجعاً، بل بوصفها انتقالاً مدروساً من مرحلة إلى أخرى في إدارة الاقتصاد الوطني.
فحين تُدار مشاريع بمئات المليارات، وتتحرك استثمارات عبر قطاعات متعددة من السياحة إلى التصنيع، ومن اللوجستيات إلى التكنولوجيا فإن مراجعة الإيقاع، وتعديل الجدول الزمني، وإعادة توزيع التدفقات الرأسمالية ليست علامات قلق، بل أدوات إدارة رشيدة. فالسؤال الحقيقي ليس: هل تغيّرت الخطة؟ بل: هل هناك قدرة على تعديلها حين يقتضي الواقع ذلك؟
الاقتصاد العالمي نفسه يمر بمرحلة إعادة تقييم عميقة؛ أسعار فائدة مرتفعة، تقلبات في سلاسل الإمداد، تغيّرات جيوسياسية، وضغوط على أسواق رأس المال. في مثل هذا المناخ، تصبح المرونة الإستراتيجية ميزة تنافسية، لا ترفاً إدارياً. فالدولة التي تمتلك الجرأة على إعادة ترتيب أولوياتها في الوقت المناسب، تحمي استدامتها المالية، وتعزز كفاءة إنفاقها، وتمنح مشاريعها فرصة نجاح أعلى.
ولا يمكن قراءة هذه المراجعات بمعزل عن الاستحقاقات الكبرى التي تقف على الأفق، وعلى رأسها استضافة المملكة لمعرض Expo 2030، واستعداداتها لتنظيم كأس العالم 2034. فهذه ليست فعاليات عابرة، بل جداول زمنية ملزمة عالمياً تتطلب جاهزية بنية تحتية، وتسارعاً في التنفيذ، وتكاملاً لوجستياً بين قطاعات متعددة. وعندما تعيد الدولة ترتيب تدفقاتها الاستثمارية بما يتوافق مع هذه الاستحقاقات، فإنها لا تقلّص طموحها، بل تُحسن توزيع رأس المال وفق أولويات زمنية واضحة، تضمن الجاهزية دون إرهاق للمنظومة.
لكن الأهم من إعادة الجدولة هو ما يجري في العمق. فالمرحلة الحالية لا تقتصر على ضبط الإيقاع، بل تعبّر عن انتقال أعمق من بناء قطاعات متوازية إلى تكامل منظومات اقتصادية مترابطة. فبعد سنوات من الاستثمار طويل الأمد في تأسيس قطاعات إستراتيجية منذ 2017، تدخل المنظومة اليوم مرحلة أكثر نضجاً، حيث تتداخل الصناعة مع الخدمات، وتتقاطع اللوجستيات مع السياحة، وتُبنى القيمة عبر شبكة مترابطة لا عبر مشروعات منفصلة.
هذا التحوّل يعني أن النمو لم يعد قائماً على إطلاق الفرص بقدر ما أصبح معنياً بتسريع أثرها. كما أنه يعيد تعريف دور القطاع الخاص، من مستفيد من الإنفاق إلى شريك محوري في توليد العائد. ومع كل إعادة ترتيب للاستثمارات، تنشأ مساحات أوسع أمام المستثمرين المحليين والدوليين لملء الفراغات التشغيلية، وتطوير الخدمات، وتعظيم القيمة من البنية التحتية التي أُسّست خلال السنوات الماضية.
فالتحوّل الجاري ليس انكماشاً، بل انتقال من مرحلة التأسيس إلى مرحلة التمكين، ومن ضخ رأس المال إلى تعظيم كفاءته. وهنا يصبح دور الدولة أكثر دقة: أن تبني الإطار، وتضبط الإيقاع، وتترك للمحرك الاقتصادي القطاع الخاص مساحة أوسع لقيادة النمو المستدام.
لهذا، فإن المرونة الإستراتيجية ليست علامة ارتباك، بل علامة ثقة. والثقة في الاقتصاد لا تعني الجمود، بل القدرة على التحرك في الوقت المناسب. ومن يقرأ التحوّلات الأخيرة بهذه الزاوية، يدرك أن إعادة ترتيب الأولويات ليست تقليصاً للحلم، بل حماية له. وأن الطموحات الكبرى، كي تزدهر، تحتاج إلى إدارة ذكية بقدر ما تحتاج إلى رؤية جريئة.
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة عكاظ ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من عكاظ ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
